الحقيقة كلٌّ متكامل. أي إنها حركة وفق جوهر الوجود؛ ألّا ينحرف عن وجوده، وأن يتشكل بحسب هذا الجوهر ويبلغ التعبير عن ذاته.
ولغة التكوّن الكوني هي تنوع الاختلافات، وبالتالي ازدهار الجوهر. وازدهار الجوهر يعني إدراك الذات وبلوغ معنى الحياة. وهذه الثنائيات التي يمكننا ترتيبها على صورة الإنسان والطبيعة، المرأة والرجل، الإنسان والمجتمع، حقائق يخلق بعضها بعضاً ويمنحه المعنى. وهي تنكشف بوصفها ضرورة للديالكتيك، ولا معنى لأحد طرفيها من دون الآخر. وكما لا يمكن تناول تكوّن الإنسان خارج مسار تكوّنه، لا يمكن تناوله خارج المجتمع أيضاً. إن مغامرة تكوّن الكون، المعرّفة بأنها «رغبة الإله في أن يُعرف ويُرى» أو «نظام حرية الكون»، تبلغ ذروتها في الإنسان وتجد اللغة. وتتحول إلى منبع لا ينضب تُنتج فيه المعاني. وهذا هو بلوغ الوعي بالذات والتجردن الاجتماعي.
السمة الأساسية التي تميز الإنسان من سائر الكائنات، إلى جانب ذكائه العاطفي، هي «ذكاؤه التحليلي». ويبني العقل البشري ذاته واجتماعيته بعدما يبلغ، بفضل الانسجام الرائع بين الذكاء التحليلي والعاطفي، قوة كبيرة من المرونة. وإذا كانت البنى الاجتماعية حقائق بناها الإنسان، فإنها تدين بلا شك للانسجام بين الذكاء التحليلي والعاطفي اللذين بلغا أكثر مستوياتهما تطوراً فيه. وعندئذ تعبّر «العشيرة»، أهم بناء في تاريخ الإنسانية، عن أول صورة دبت فيها روح ذلك البناء. أي إن ما تحقق مع العشيرة هو أول خطوة خطتها الإنسانية نحو الاجتماعية. وفي هذه النقطة بالذات تصبح العشيرة حقيقة تعبّر عن بعث أول تجردن اجتماعي إلى الحياة. ومن غير تعلم وفهم مساواة المرأة والرجل بقيادة المرأة، وضرورة الاجتماعية والفكر الأرواحي (الإحيائي)، ومن غير النفاذ إلى جوهره الأخلاقي والسياسي، لا يمكن تعريف الحقيقة تعريفاً صحيحاً ولا مواصلة حملها. والحقيقة التي هي في تكوّن دائم تتشكل وتتأسس فوق هذا الجوهر.
إن التحالف الذي نشأ على أساس المصالح بين الشامان والرجل المسن والقائد يمثل النموذج الأول لكل التحالفات القذرة المستمرة حتى يومنا. وهذا التحالف هو أساساً أكبر ضربة وُجهت إلى المجتمع الأخلاقي السياسي المنسوج حول المرأة. كما جلب معه الانفصال عن الجوهر وتفكك الاجتماعية المبنية. وعلى الرغم من أن هذا الثلاثي كان هجوماً ومؤامرة من الرجل الماكر على اجتماعية المرأة الأم، فإن اجتماعية الأم-المرأة أبدت في المقابل مقاومة لا تلين. ولم تقبل أخلاقياً ووجدانياً أن تخضع للمؤامرة كما هي وأن تستسلم. وقد تقدم التاريخ حتى يومنا بوصفه صراع هذين الخطين: المجتمع الأخلاقي السياسي للأم-المرأة، والرجل الماكر المسن المنفصل عن الذكاء العاطفي. ويحاول النظام الأبوي الذي ابتعد عن جوهره وصار مهيمناً أن يدمر الحياة بتفكيكها عبر الفصل بين الذات والموضوع، محولاً الثنائية التي تفتح الطريق أمام التكوّن على أساس هدّام. وتتسع الهجمات التي بدأت ضد المرأة، بحكم الوجود، إلى الإنسان والطبيعة والمجتمع كله، فتُفصل الحياة عن الحقيقة وتُترك بلا نفس. وتُعبأ الميثولوجيا والدين والفلسفة والعلم باستمرار لصنع ذهنية جديدة. وفي الأساطير، مع صورة الإنسان المخلوق من فضلات الإله والمرأة التي هُبط بها من الألوهة إلى بيت الدعارة، أُسقطت الإنسانية من القداسة إلى اللعنة. وفي الدين فُرضت صورة المرأة المخلوقة من «ضلع الرجل الأعوج» كحقيقة مطلقة، وجُعلت المرأة «حقل الرجل المحروث». ومن خلال علاقة الإله والعبد أُبطل الإنسان وحُوّل إلى نملة. وفي تعاليم كثير من الفلاسفة تكون المرأة والطبيعة موضوعين يجب إخضاعهما، بينما يحتل الرجل دائماً موقع الذات. وفي فلسفة ديكارت تبقى الاختلافات في حرب دائمة على أساس التضاد. لكن العدم شرط الوجود، والموت برهان الحياة ومعناها، والظلام كلية تجعل النور مرئياً وتكتسب معناها على هذا الأساس؛ وقد قُلب ذلك رأساً على عقب، فكأن الحياة فُجرت بالديناميت عبر هذه الثنائيات المتضادة الهدامة، وتعرضت الحقيقة للقتل. ويواصل النظام الرأسمالي وجوده بتجريد الفرد والمجتمع من الذاكرة. وهذه الهجمات حالة إخراج الفرد والمجتمع من ذاتهما وتفكيكهما. لذلك لا يعني النظام الرأسمالي موت المجتمع وحده، بل موت الفرد أيضاً. ونرى من كل ذلك أن الواقع الاجتماعي حقائق مبنية؛ أي إن الذهنية هي أكبر قوة خلاقة. والنظام الديمقراطي أيضاً، مثل النظام الرأسمالي، نتاج ذهنية. وقد تطورت هذه الذهنية في مسار المجتمع التاريخي حتى يومنا بوصفها دفاعاً عن الحقيقة. واكتسبت معنى عظيماً عند زرادشت في «فكر جيداً، قل الحق، افعل الجميل»، وعند سقراط في «اعرف نفسك»، وعند الحلاج في «أنا الحق»، وفي شخصيات آلاف المدافعين عن الحقيقة، وفي عصرنا في القيادة. والحرب الأساسية الجارية اليوم هي الحرب بين مقاتلي الحقيقة ومن يريدون تدميرها. ففي جانب تقف كل مقدسات المجتمع التاريخي المتحد والمتجسد بقيادة القائد آبو وإرثه، وفي الجانب الآخر كل آلهة الاحتكار الدولتي المهيمن بلا أقنعة وملوكه العراة. وإذا دخلنا في مسار هذه الحرب ونظرنا إليه فسنجعل ما يجري أكثر ظهوراً.
حين ننظر إلى واقع العالم اليوم نرى هذه الحرب بكل عريها. ثمة أزمة وفوضى. ففي جانب كل هذا البؤس والجوع والدمار والظلم والعدوان واللاأخلاق والعدم وتخريب الطبيعة؛ وفي الجانب الآخر البذخ الذي يتجاوز حكايات ألف ليلة وليلة، وجنون الاستهلاك الجاري كالمجانين بفلسفة «عش اللحظة»، وانعدام ثقافة اللهو المستمر حتى الصباح؛ وهي أوضح علامات هذه المفارقة. فأي دين أو فلسفة أو مجتمع، وأي قلب أو ضمير، يستطيع قبول ذلك؟ وهذا في جانب منه دليل أيضاً على ضياع الحقيقة. ولا ينبغي أن ننسى أنه حيث يوجد قتل للحقيقة وضياعها، يكون هناك من الجانب الآخر نضال الحقيقة. وفي تطور المجتمع التاريخي قُطعت من أجل ذلك رؤوس كثيرة عن أجسادها كالحلاج، وسُلخت جلود من أرادوا بلوغ الحقيقة عند نجمة الزهرة كسهروردي، وشرب أناس كسقراط سم الشوكران بلا تردد في ميدان العشق، ولم يتردد من خاضوا صراع الحقيقة واحترقوا في النيران كبرونو في دفع الثمن. ولذلك ما إن خرج القائد آبو إلى ميدان الحقيقة حتى توالى المظلومون لبلوغ سرها واتحدوا بالعشق والحقيقة بشعار «المقاومة هي الحياة». وأذاب الأربعة أنفسهم ذرة ذرة في هذا السبيل، وحوّل خيري وكمال نفسيهما إلى كومة من جلد وعظم، واتحدوا بالحقيقة وصاروا حقيقة. ومن بعدهم صار بريتان وزيلان مشاعل الحقيقة لبلوغ هذا السر. أي إن حرب الحقيقة كانت دائماً وستظل. وكما تقول القيادة، تأتي مراحل ينطق فيها التاريخ كله في شخصية واحدة. وهذه الشخصية نطقت اليوم في القائد آبو. ولم يستطع أعداء الحقيقة، على الرغم من كل آليات التحريف والضغط السياسي وقوى الإكراه العسكري، التأثير في القائد آبو. لذلك اتحدت كل القوى الاقتصادية العالمية وحكمت على القيادة في جزيرة وأرادت الانتقام منها. وعقدة النقص التي يعيشونها أمام حقيقة القيادة المضيئة والحارقة كالشمس هي ما يجعلهم يريدون إبعادها عن الأعين والقلوب. إنهم لا يعرفون أن القيادة روح وقلب وفكر، ولا تقبل القيود. إنها الكون؛ زمان ومكان لا قبل له ولا بعد، ولا قريب ولا بعيد. أي إنها وجدت صفتها ومكانها في الإنسان، في كل تكوّن في الطبيعة. ومع أن خصوم الحقيقة اليوم يحرفونها ويحجبونها مهما استطاعوا، فقد كشفت القيادة كل الاعوجاجات، ومزقت الستائر واحداً تلو الآخر وطرحت الآلهة بلا أقنعة والملوك العراة في العراء. ومن هنا هلعهم.
ونحن أيضاً أسرى حقيقة القيادة، وخلفاء مظلوم وكمال وخيري وبريتان وزيلان. طريقنا طريق الحقيقة. دخلنا هذا الطريق عن وعي، بلا خوف وبشجاعة. وبحثنا هو بحث عن واقعنا الجوهري ومجتمعنا، وعن الاتحاد بوجودنا الجوهري وبالقيادة. الطريق طويل وشاق ويحتاج إلى قلب. تحولت العقول إلى صحارى، وتجمدت القلوب وشُلّت. والقلب المتجمد والوعي اليابس يحتاجان إلى الشمس التي تنير الإنسانية وتدفئها. والبحث هو واقع القائد آبو.
يبدأ كل بحث عن الحقيقة أولاً بكشف غير الحقيقي والزائف. ونعلم من التاريخ ومن واقع نضالنا أن هذا الطريق ليس طريقاً يستطيع كل شخص دخوله والسير فيه وبلوغ نتيجته. ونحن أيضاً نواجه صعوبات كثيرة ونُجرح ونحن نسير نحو الحقيقة. فإن لم يضعف إيمانك أمام هذه الجراح والصعوبات، وكنت سائراً حقيقياً في طريق الحقيقة، تحوّل ذلك فيك إلى حقيقة عظيمة. الارتباط حالة عشق، والارتباطات العظيمة تولد مواقف حازمة. وتتطور قوة الإرادة العظيمة فوق هذه الأرضية وتجعلك فولاذاً. واستدامة ذلك وجعله شخصية أساسية يفرضان عليك أن تلتقي بذاتك وتواجه الآخر في داخلك. فالآخر في داخلك يقول لك حقائق تناقضك. وإذا صار الآخر فيك حالك، وصارت حالك هي الآخر فيك، فهذا يعني أن هذا الواقع قد أخضع كل إمكانات الاتحاد بالحقيقة، ومشاعرك وأفكارك وسلوكك، لمقياس. وحتى في المراتب الأولى من ساحة الحقيقة توجد علامات تجاوز حدود الزمان والمكان. نعم، أول ما ينبغي لمقاتل الحقيقة فعله هو مواجهة نفسه والتغلب عليها. فإن كنت باحثاً عن الحقيقة فأنت عاشق، وإن كنت عاشقاً فلا يمكنك أن تتطهر قبل أن تحترق وتصير رماداً. ونعرف من كل باحثي الحقيقة في التاريخ، ومن واقع القائد آبو في إمرالي، ومن مواقف آلاف الرفاق الشهداء، أن العشق لا يكون مع حفظ الروح.
نعلم من كل الذين عبروا أبواب الحقيقة أن القلب هو الذي ينير الطريق. ومن لا يتقدم قلبه جسده لا ينبغي له أن يسلك هذا الطريق أو ينجر وراء أهواء فارغة. فالذين ينطلقون بقلب خافت بلا حماسة لا يفعلون سوى إنهاك أنفسهم وإضاعة الوقت والتسبب في ضياعه. والقلب هو المنبع الذي تُنتج فيه كل المعاني. ويجب حفظه في كل الظروف وإبقاؤه عميقاً واسعاً كالمحيطات.
دخول الطريق والاتحاد به بداية العمل. وإذا لم تُقطع المسافة الكافية في الطريق وفي وقتها، فإما أن قلب العاشق قد تجمد وكلّ، ولذلك لا يرى بعين القلب، وإما أنه يريد السير بعقله. ولكيلا يحدث ذلك قاد جميع المرشدين مريديهم وهم يعبرون كل باب ودلوهم على الطريق. وبالنسبة إلينا صارت القيادة حقيقة ودليلاً وجسراً في آن واحد. لذلك فإن أول ما سنفعله في هذا الطريق هو توجيه الفكر إلى الحقيقة، وإمالة القلب والوعي نحوها. وإذا صغنا اليوم السير إلى الحقيقة والاتحاد بها، اللذين صيغَا وطُبقا في فلسفة الشرق الأوسط على هيئة أربعة أبواب وأربعين مقاماً، فإنهما يكونان:
1- الخطوة هي رفض المعطى. وهي توجيه الفكر إلى الحقيقة بالنقد والنقد الذاتي، أي الانفصال عن النظام.
2- الخطوة هي مسار خلق الحساسية في الإنسان. (مقام الحذر والاجتناب) وهي مسار فصل الخطأ عن الصواب، والخير عن الشر، والجميل عن القبيح، وعدم ملامستها.
3- الخطوة هي مقام النفس. (الزهد) وهي منع الذات عن كل لذة، ومواجهة المرء نقاط ضعفه ومعرفتها والدخول معها في صراع لا يلين.
4- الخطوة هي مقام التحول إلى إرادة: الإعراض عن كل النعم الدنيوية، وتجاوز المعنى للمادة وتنمية قدرته؛ أي مسار إفناء المادة في المعنى.
5- الخطوة هي مقام الصبر: مسار ابتلاع الآلام من دون إظهار أدنى استياء. أي عدم التراجع أمام حالة عدم تذوق التحققات في هذه المرحلة.
6- الخطوة هي مقام الإنسان الكامل: بلوغ عمق الوعي بأن العالم يُخلق ويفنى في كل لحظة؛ والانتقال من الإنسان الذي يرى كل شيء إلى رؤية الإله في كل شيء، وبلوغ الحقيقة، وصيرورة الذات، واستدامة ذلك.
أي إنه مسار الانتقال من «لك ما لك ولي ما لي» إلى «لك ما لك وما لي لك أيضاً»، ثم إلى وعي وشخصية «لا ما لك موجود ولا ما لي» و«لا أنت موجود ولا أنا موجود»؛ والعيش بهذا وإحياؤه، وصيرورة الإنسان الكامل، والنضج من النيء إلى المطبوخ. وهو طريق للاتحاد بالحقيقة. وقد أوصى أهل الحكمة وواصلو مقام الحقيقة، منذ الماضي حتى يومنا، من سلكوا هذا الطريق فقالوا: «إذا نهضت وتحركت، فانهض بقصد الخدمة. وإن تكلمت، فتكلم بالحكمة. وحين تجلس، فاجلس باحترام». لذلك ينبغي لسالك طريق الحقيقة أن يدخل هذا الطريق وهو يعرف هذه الحقائق.
چيا آمد
