يكتسب وجود الإنسان معناه بلغته وثقافته ومقاييسه. وإذا كان هدف الحرية حاضراً في وعي الناس وناضلوا من أجله، ازدادت الحياة جمالاً.
وقد ناضل أصحاب التوق إلى حياة حرة دائماً كي يتمكنوا من حماية هذه الحياة الجميلة. وعلى مدى مئات السنين سُلب الشعب الكردي حياته الجميلة وفُرض عليه العنف والظلام. والكردي الذي قيل له: «أنت غير موجود، بلا هوية»، وظل في مواجهة التهجير، تجاوز تلك المرحلة مع حركة الحرية. ولن يقبل الشباب المفتوحة أعينهم والمدركون لذواتهم بعد الآن القوانين المفروضة عليهم، وسيتركونها وراءهم. وقطع كمال دوران أيضاً قيود النظام وسار نحو الحياة الجميلة.
وُلد خضر توران، واسمه الحركي كمال دوران، في جولميرگ. وتنتمي عائلته إلى عشيرة شيڤشكي، وقدمت العائلة نفسها شهداء. لذلك نشأ كمال على ثقافة صون الهوية الكردية والوطنية. عرفت عائلته حركة الحرية منذ سنوات مبكرة، وقاتل أفراد منها ببطولة من أجل الحرية، ومن بينهم من بلغوا الشهادة. وقد خلقت هذه الشهادات شعوراً مختلفاً في طفولة كمال. وحين كبر لم يبق محروماً من قيمة الحياة. وكان لنظام الصهر والإبادة أثر كبير في عائلته، كما في كل عائلة كردية. وأثّر فيه كثيراً استشهاد خاله كمال كاتو على يد الدولة التركية في وادي تياري؛ فانضم عام 2014 إلى صفوف الكريلا ليسير على خطاه، واتخذ اسم كمال دوران. حمل اسم خاله الشهيد وخطا بذلك خطوة مهمة نحو الثورة.
كانت تناقضات كمال عميقة، وفي مرحلة ما دخل في مسعى لحل تناقضاته هو أيضاً. ولذلك، حين حلل شخصيته وحاسب نفسه، أدرك ذاته وازدادت محبته للحياة. ومن هنا بدأت حياة المقاتل كمال ونضاله. وكلما كبر بحثه عن الحرية، أظهر مشاركة من القلب وصار واحداً من الأبطال السائرين على أثر الحقائق.
بحث المقاتل كمال بعمق وحلل جيداً قول القائد آبو: «نحن مختبئون في بداية التاريخ، والتاريخ مختبئ في يومنا هذا». وعلى هذا الأساس تطورت تساؤلاته وصار مقاتلاً رحب القلب لشعبه. ومع أن دوران كان لا يزال جديداً في الجبال، فإن رغبته وفضوله كانا كبيرين. كان يجول خطوة خطوة في مناطق الجبال ويتعلم كل شيء كي ينفذ أعمالاً كبيرة في الظروف الصعبة.
كان المقاتل كمال صاحب شخصية مفعمة بالحماسة؛ وكانت قوته ومعنوياته عاليتين جداً. كان شاباً شهماً ذكياً، لم يبتعد عن ثقافته الكردية، وكان يشارك في الحياة دائماً بهذه الروح. وبعد أن عرف تاريخه العظيم، صار يفكر بصورة كبيرة ويخطو وفقه. وكان يصون في كل خطوة مقاييس الحياة ومبادئها. لذلك أصبح النموذج الأصح لرفاقه.
بعد أن تلقى كمال تدريبه الأساسي، أراد برغبة كبيرة الانتقال إلى ساحات العمل. أراد أن يصبح مقاتلاً ذكياً متخصصاً، وأن يكون قوة انتقام شعبه. وكان هدفه دائماً تحرير شعبه من الظلم. وبينما كان يعيش بهذا الغضب، تصاعدت حرب عصابات داعش وهجماتها على شعب شنگال. ووقع هجوم خارج عن الأخلاق على هذا الشعب. ولا يمكن لصاحب ضمير أن يتمالك نفسه ويتفرج. فسعى كمال بكل قوته إلى الوصول إلى شنگال وهيأ نفسه.
تحققت رغبة كمال واقتراحه، وانتقل مع رفاقه إلى ساحة الحرب والقتال. وكانت هذه الحرب بالنسبة إليه بداية وتراكماً مهماً في آن واحد.
كان صاحب طموح كبير. ولأنه دخل القتال بغضب عظيم، اكتسب أيضاً قوة الفعل في حربه. وحين رأى هجمات العصابات الوحشية، ازداد غضبه ونفذ عمليات مؤثرة. وتعلم في هذه الحرب التكتيك وفن القتال؛ وعانى صعوبات كثيرة لكنه لم يتوقف قط. رأى ألم الشعب واستمد منه غضب الانتقام. ولكي يكون حامياً لشعب شنگال احتضن النساء والأطفال بحرارة وحررهم من أيدي تلك العصابات.
حين يدافع كل مقاتل عن شعبه ويحرره من يد المحتلين، يكون ذلك نجاحاً عظيماً جداً. وقد حُرم الشعب الذي تعرض دائماً للمجازر ونُهبت مدينته باستمرار بأيدي الطغاة من الحياة الجميلة. سعى المقاتل كمال دائماً إلى إيقاف هذه الحرب كي يستطيع شعب شنگال أيضاً أن يعيش حياة هادئة. وحين رأى قوة الشعب وإرادته وقتال أولئك المقاتلين، نشأت في داخله روح الوحدة. فتوجه مقاتلو الحرية من أجزاء كردستان الأربعة إلى شنگال وحرروا الشعب هناك من أيدي العصابات.
بعد تحرير مدينة شنگال، اتجه المقاتل كمال بشوق كبير إلى جبال كردستان الحرة. عاد إلى الصخور التي اكتسب فيها هويته واستعاد تلك الذكريات لحظة بلحظة. ولأنه عاد إلى الجبل بروح النصر، نشأت فيه قوة وإرادة عظيمتان. اكتسب كمال الثقة بنفسه في تلك الحرب، وصار ذلك التراكم أساساً صحيحاً لنضاله. وعلى هذا الأساس أراد بعد عودته أن يتجه هذه المرة إلى مناطق الشمال. كان واثقاً من ممارسته. وبالخبرات التي مر بها حقق ممارسة ناجحة وأتم مهمته الثورية بلا نقص. ولذلك قُبل طلبه الذهاب إلى منطقة الشمال وصار واحداً من المسافرين إلى تلك الجبال.
انطلق المقاتل كمال نحو منطقة الشمال وبدأت رحلته بمسيرة طويلة. كان سيذهب إلى سرحد. انطلق نحو حلمه وهدفه واتجه إلى النضال الكبير. ونمّى في ساحة سرحد ما تعلمه أكثر. ثم انتقل في المنطقة إلى أرضروم، حيث كان سيتعلم أساليب وتكتيكات جديدة في ظروف الساحة. والعيش في هذه المناطق يحتاج إلى قوة كبيرة وإرادة من فولاذ؛ فكما فيها من جمال، فيها صعوبات كثيرة أيضاً. وعلى هذا الأساس خطا كمال في بداية ممارسته خطوات شجاعة وتكيف بسرعة كبيرة مع الظروف القائمة.
بقي كمال في أرضروم مدة قصيرة جداً، لكنه عاشها بامتلاء؛ واستنشق في تلك الجبال نَفَس الحرية وانتفع بالإرث التاريخي الذي قاتل فيه مئات الأبطال. وكان مدركاً لاحتلال العدو، ولذلك اتخذ تدابير دقيقة جداً أثناء ممارسة عمله في المنطقة. وكان يجول باستمرار وينظر بصورة استراتيجية كي يطور سيادته على تلك الأراضي. ولذلك حين اكتسب المقاتل كمال قوة الفعل، أدى دوراً تاريخياً وصار حامياً لتلك الجبال.
في الساحات التي تكون الممارسة فيها صعبة، تكبر قيم الحياة أكثر؛ وحين ينفذ مقاتلو الحرية عملهم في هذه الجبال بأقل الإمكانات، يمنحون القوة المعنوية وقيم الحياة معنى أكبر. واصل المقاتل كمال تطوره من ممارسته الأولى في شنگال حتى وصوله إلى منطقة أرضروم. دفع الثمن خطوة خطوة حتى أنفاسه الأخيرة، واتخذ خط الأبطال أساساً له. وبطاقته الشابة منح رفاقه لوناً، وبقي في قلوبهم ووعيهم طاقة لا تزول أبداً.
واصل العدو في شمال كردستان هجماته ووحشيته بكل السبل، وعاش خوف أن توجه إليه الكريلا في كل مرة ضربات ثقيلة. ولذلك هاجم المقاتلين بكل طريقة، ونفذ عمليات على مناطقهم براً وبالطائرات الحربية. ونفذ المقاتلون أيضاً بقوتهم وإيمانهم عمليات مؤثرة وسط هذه الهجمات الثقيلة. ولأن قوات الكريلا كانت تنهض بأدوارها ومهامها الفاعلة في هذه الساحة، بدأ العدو عملياته. حاصر كل مكان وقصف المنطقة بعنف بكل تقنياته. وفي خضم هذه الهجمات الثقيلة، بلغ المقاتل كمال الشهادة مع اثنين من رفاقه في غارة جوية في بازيد يوم 6 نيسان 2018.
واصل الشهيد كمال الحياة وحرب الوجود بروح فدائية حتى أنفاسه الأخيرة. ولكي يصون تاريخه، تحرك في كل مهمة بانضباط ومبادئ الحياة. وبوصفه شاباً شهماً، صارت مغامرة حياته في هذه الجبال ملكاً لتاريخ الشعب الكردي. وستبقى شخصية كمال دائماً في أذهان الناس بوصفه بطل شعبه.
