HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

سار أصحاب القلوب الفولاذية في الجبال بآمالهم وأهدافهم الكبرى نحو النور، وتدفقوا إلى الحرية وحياة الكرامة.

فهموا معنى الحياة الصحيح وتوجهوا إلى المعابد المقدسة، إلى موطن الإلهة عشتار. آمنوا بقوتهم، وتطورت أبحاثهم كي يعرفوا ذواتهم من جديد، فساروا خطوةً خطوة نحو الجبال. وكانت الفتاة الكردية الأصيلة إكين دلدا جزءًا من هذا البحث، وانطلقت نحو أحلامها وفضولها.

 

وُلدت إكين دلدا، واسمها الحقيقي زليخة محجوب، في قرة يازي التابعة لأرضروم. نشأت في أسرة كردية وطنية تحمي قيمها المعنوية والأيديولوجية، وقد انضم كثير من أفرادها إلى حركة الحرية واستشهد بعضهم في حرب التحرير. تركت هذه المشاركات والشهادات أثرًا عميقًا في شخصية إكين ورسخت ارتباطها بالثقافة الكردية. كبرت على ذكرى أولئك الأبطال، وعاشت أجمل لحظات طفولتها وهي تبني ذاتها تدريجيًا. لذلك حين بلغت الوعي امتلكت وقارًا ومعرفة.

 

راقبت إكين النظام الذي يدفع الكرد يوميًا إلى الهجرة، والمدارس التي تفرغ عقول الأطفال، وأغاني الأمهات. وحين رأت كل ذلك وعرفت حقيقة الحركة الآبوجية اختارت طريقها بنفسها. أرادت السير على خطى شهداء أسرتها، فقطعت عهد مواصلة طريقهم وتوجهت بمحبة إلى سفوح الجبال.

 

اتخذت اسم إكين دلدا إحياءً لطريق رفاقها الشهداء. ففي الحركة الآبوجية حمل أسماء الشهداء مهمة مقدسة وثقيلة. وعندما خطت خطوتها الأولى على السفوح اختارت هذا الاسم كي تبقى ذكراهم حية دائمًا.

 

صنع حب الحياة في الجبال أملًا كبيرًا امتد حتى الصخور والمنحدرات المنيعة الجميلة. وبقدر عظمة الرغبة يكبر الهدف. كانت إكين تعرف وجودها وهويتها في أسرتها، ولذلك دخلت الجبال بفضول. تلقت أولًا تدريب المقاتلين الجدد وتعرفت بعمق إلى حياة الجبل وصعوباتها.

خطت خطواتها الأولى في زاب. وبرغم كونها مقاتلة جديدة كانت الأكثر حركة بين رفاقها. اقتربت من الحياة بحب كبير وطورت نفسها في كل مجال. وكلما نظرت إلى الجبال قويت فيها روح الوطنية.

لم تكتفِ بذلك التدريب؛ كانت واعية بالمرحلة وأرادت التخصص في السلاح. لذلك تلقت دورة قنص وسعت إلى تعلم كل الأسلحة. ونمت عسكريًا وأيديولوجيًا إلى شخصية قوية قادرة على إدارة الأعمال في الممارسة.

 

كانت إكين، المرأة الأصيلة، متواضعة وصاحبة مقاييس ومبادئ. كانت مضحية وعاملة من أجل القضية، مرتبطة بوجودها حتى النهاية ومستعدة لكل مهمة تنظيمية، وتطورت للمشاركة في الخطوط الأمامية. امتلكت قوة حمل مسؤولية الثورة وتولت المهام وقادت الحياة. وكانت ترى أن على الإنسان قبل كل شيء أن يبذل العمل ويكون قائدًا حقيقيًا في الحياة. لذلك تبعت عهدها وساعدت رفاقها بخبراتها؛ تكلمت قليلًا وعملت كثيرًا. مهما صعبت المرحلة لم تبتعد يومًا عن روح المسؤولية. في الجبال تعلمت معرفة قوتها وإيمانها، وعززت الثقة بنفسها ورفاقها عبر الممارسة الصعبة. لم تنفصل عن العمل قط، وظلت تشارك بفاعلية وشجاعة في الحرب والحياة بالمواقع الأمامية.

 

بعد تدريب تخصصي وخبرات مكتسبة، توجهت إكين دلدا إلى ساحات الممارسة. كانت ترى فيها مكانًا لاكتشاف قوتها واكتساب الثقة الجوهرية، وعلى هذا الأساس انتقلت برغبة كبيرة إلى خاكورك.

حين اشتدت الحرب في مناطق الدفاع المشروع، دخلت إكين هذه الساحات بعهد الثأر. وكما أن خاكورك موطن بيريتان وعكيد، رأت أن مهمتها الأساسية السير على خطاهما وحماية التاريخ. فكل مناضلي حركة الحرية قطعوا عهد الثأر وفاءً لقضية الشهداء والسير في أثرهم.

 

في رحلتها إلى قمم خاكورك سارت إكين خطوةً خطوة بأنفاسها عبر تضاريس متعددة الألوان. ولعبت بتضحيتها وإخلاصها دورًا نشطًا في أعمال الأنفاق. وفي وجه العدو الذي حاول بناء العوائق خلقت بدائل بقوتها الذاتية وواصلت العمل بلا انقطاع.

عملت ليل نهار مع رفاقها لتطوير استعداد كبير أمام العدو، ووضعت عملها في خدمة الثورة. شاركتهم كل مهمة وساعدتهم بما اكتسبته من ثقة.

كامرأة واثقة بنفسها ازدادت مسؤولية إكين؛ فكانت حيثما دعت الحاجة، وأدارت أعمالها بمحبة كبيرة.

اكتسبت إكين قوة الفعل في حملة صقور زاغروس التي ضمت قادة عظامًا. وفي خاكورك كانت من الرواد الذين لم يتركوا للعدو فراغًا في أي خندق. لذلك اتخذت تدابير أقوى في الميدان، وظلت حارسة لتلك الجبال.

 

تأثرت كثيرًا بالمقاومة التي قُدمت في أنفاق الحرب. وحتى عندما لم تكن داخلها عاشت بروحها، وعاشت مع كل رفاقها الذين قاتلوا وكتبوا الملاحم فيها. ومثلت الروح المشتركة لمناضلي القائد آبو؛ فامتلكت شخصية تعيش روح مقاومة الأنفاق أينما كانت، وتواصل أعمالها بلا تردد.

 

حتى أنفاسها الأخيرة أدت إكين كل عمل كامرأة مؤمنة ورائدة، بمشاركة ذات ادعاء. واجه العدو المحتل عقبة كبيرة أمام مقاومة الكريلا وفاعليتها، فلم يطمئن إلا حين قصف الجبال بتقنيته. لكنه لم يعلم أن المقاتلين الشجعان لا يفقدون شيئًا من قوتهم بهذه الوسائل، لأنهم يؤمنون بقوتهم الذاتية وبأفكار القائد آبو.

في 6 تشرين الأول 2024 ارتقت إكين مع رفيقتها ميترا ماني إلى الشهادة في هجوم جوي للاحتلال. عاشت وقاتلت بكل قوتها إلى جانب رفاقها وصارت رائدة خالدة. بنت ذاتها عبر صعوبات الحياة وجمالها ومنحت محيطها القوة. وحتى اللحظة الأخيرة ثبتت على قرارها وعهدها للشهداء وقاتلت، وبوقفتها كتبت اسمها في تاريخ الشعب الكردي.