HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

كان تاريخ البشرية دائماً حافلاً بالتطور والتحول. وطبيعة الإنسان طبيعة تستند إلى ظاهرة الاجتماع. تؤثر الأحداث الاجتماعية كثيراً في الإنسان، ولذلك لا يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده. وفي هذا الإطار، انخرط الإنسان باستمرار في السعي والبحث عن لماذا يعيش وكيف يعيش.

على هذا الأساس، ظل الإنسان يبحث عن معرفة نفسه، ومعرفة الكون والحياة والبيئة المحيطة. تتحول المعرفة إلى تطور، ويتحول التطور إلى نمط حياة منظّم. وقد بلغ الإنسان مستوى من التطور بإنجازات مثل اكتشاف الطب الطبيعي والزراعة والعلم واللغة. وبقدر مستوى تطوره، يمنح الإنسان حياته معنى ويوفر سبل عيش جماعته. وهكذا تنشأ حياة الكومين-العشيرة المستندة إلى ثقافة المرأة-الأم. ولذلك يجتمع الناس حول المرأة-الأم ويتعاملون معها باحترام وتقدير وينظرون إليها باعتبارها معجزة. تحوّل المرأة-الأم سياستها المتعلقة بالغذاء اليومي إلى إنتاج مستدام، وهذا يطوّر لدى المرأة وعياً بحياة مسالمة وحامية للمجتمع. وبهذا، تشكّل المرأة، بطاقتها المتدفقة والمستمرة، صيغة الحياة الكومينالية.

تظهر معارضة لهذا النمط من الحياة الكومينالية، ويتعرض الكومين الأول لهجمات شديدة. ومع تطور وعي جماعات الصيادين الرجال، يبدأ التناقض الأول بين المرأة والرجل. ويتسع هذا التناقض باستمرار حتى يصل إلى التناقض بين المجتمع والسلطة، أي يتحول إلى ثنائية الكومين-الدولة. وعلى امتداد التاريخ وحتى هذه اللحظة، ظلت الحركات الاجتماعية في حراك دائم في مواجهة السلطة والقمع والاعتداء، وحمت نفسها بنمط الحياة الكومينالية وأدامت حياتها.

يواصل المؤرخون وعلوم السوسيولوجيا (علم الاجتماع) البحث والحراك لمعرفة تاريخ المجتمع وإلقاء الضوء على حياته في يومنا هذا. غير أن نظرية نيوتن في الفيزياء، المستندة إلى العلم الوضعي، تجزّئ تاريخ المجتمعات وتصنّفه؛ أي تفصل الناس إلى سود وبيض، وعمال وأرباب عمل، وأغنياء وفقراء، وتتناولهم منفصلين على هذا النحو. وقد أدى تقسيم المجتمعات إلى مجتمعات امتلكت دولة وأخرى لم تمتلكها إلى انهيار الاشتراكية المشيّدة بنظرية الصراع الطبقي. حاولوا حماية المجتمع والكومينالية بأساليب الاشتراكية المشيّدة، لكنهم لم يدركوا أنهم جزّؤوا المجتمع بهذه الطريقة. ووفق هذه الحقيقة الاجتماعية، عرّف علماء الاجتماع الحقيقة بصورة مجزّأة. لكن مع تطور علم الكم، الذي يرى أن كل شيء قابل للتحول وأن أصغر جزء هو الأشد قوة وذو تأثير وظهور، تغيّرت نظريات كثيرة مع هذا النمط الجديد من علم الكم؛ أي إنه وضع حداً لحقيقة النظرية الميكانيكية. لأن المقاربة المطلقة، التي تقوم على الإثبات وحده، لا تضيء حقيقة المجتمع. حقيقة المجتمع مشتركة؛ أي إن المجتمع ليس عبداً ولا رأسمالياً. وقد بيّن القائد آبو أن القاتل الكاستي، الذي جدّد نفسه في صورة الدولة السومرية، تطور ووصل إلى يومنا هذا، وأوقع المجتمع في وضع بالغ الصعوبة. وحاول بهذه الطريقة إبعاد المجتمع عن حياته الكومينالية.

يتصاعد الصراع بين النظام الاجتماعي الكومينالي والدولة، ويستمر هذا الوضع حتى يومنا هذا. لماذا وقف الوعي الدولتي بهذا القدر ضد الحياة الاجتماعية؟! هل يستطيع الإنسان أن يعيش من دون مجتمع؟! لا شك أن ذلك غير ممكن. الحياة الاجتماعية، في جوهرها، إصرار على البقاء إنساناً. وتحقيق الإنسانية الحديثة يعني أيضاً بلوغ الإنسانية في أرفع مستوياتها؛ ولذلك، مهما طُلب من الشخصية، عليها أن ترتقي إلى أعلى مستوى في تحمل مسؤوليتها وأداء واجبها الإنساني. كذلك فإن الاشتراكية الديمقراطية دليل نظام الأمة الديمقراطية، وهي تخلق أشخاصاً أحراراً يحمون المجتمع.

المحبة، والوقوف إلى جانب بعضنا بعضاً، ودعم بعضنا بعضاً، والتشاور، تطوّر روح المسؤولية إلى أعلى مستوى. وهذا يعني أيضاً أن يكون المرء اشتراكياً. وعندئذ تكون الحياة الاجتماعية، أي الاشتراكية، في جوهرها ثنائية التوازن بين الفرد والمجتمع والطبيعة. أي إن الثنائية تعني التشاور وبناء باراديغما مشتركة للحياة بتعدد الألوان والآراء. وسر الحياة الاجتماعية نفسه مرتبط أيضاً ببناء ثقافة الديمقراطية. والحياة الاجتماعية تستند بدورها إلى نمط الحياة الكومينالية.

فماذا يعني الكومين للناس إذن؟! ما هو الكومين؟

تعني كلمة «كوم» في اللغة الآرية الجماعة والتجمع. والكومينالية تعبّر بدورها عن الحياة المشتركة للناس. لقد تطور الكومين على أرض كردستان وعلى أساس ثقافة زاغروس-طوروس؛ فهل يمكن للإنسان أن يستنتج أن نظام الكومين بدأ من هذه الأرض؟! يؤكد تاريخ الميديين ذلك، فمن خلال اتحاد العشائر والقبائل الذي بلغ اتحاد الكومينات، تشكل المثال الأبرز الذي انتشر من هناك إلى العالم وطوّر الحياة الاجتماعية. يقف الكومين في مواجهة الملكية والقمع والطبقية، وفي مواجهة العقلية المتعصبة جنسياً وقومياً ودينياً، ولا ينحني أمام السلطة. ويحمي جوهر المجتمع في مواجهة المستبدين وأصحاب السلطة. ويدفع في سبيل ذلك أثماناً باهظة أيضاً.

لا يزال التناقض بين الكومين والدولة مستمراً حتى اليوم. ومن أمثلته الحربان العالميتان الأولى والثانية، والحروب الشديدة في يومنا التي تُسمّى الحرب العالمية الثالثة. في الحرب العالمية الثالثة، تُستخدم جميع أنواع التقنيات الخطرة، ويبتعد الناس بلا حدود عن جذورهم وجوهرهم. فجماعات الرجال المتسلطين التي كانت تقتل الحيوانات بالصيد وتشرب دماءها، راحت مع مرور الزمن تستولي على إنتاج المرأة-الأم. وعلى هذا الأساس، توجهت نحو المجتمع بوحشية، وهذه المرة تشرب دماء البشر وتعتدي على النساء والأطفال. وفي النتيجة، لا يدرك هذا النظام الرأسمالي الوحشي أنه يقطع بيده الشجرة التي يجلس عليها، وأنه أوشك على السقوط. وبشدته ووحشيته المنفلتة، يهدم نظامه بيده. ونتيجة ممارسات الرأسمالية، ينتشر العنف والتهجير والنهب والقتل والاغتصاب كأنها ثقافة، وكأنها خلايا سرطانية. تحدث هذه الممارسات في أزمنة يُزعم فيها أن العلم بلغ أرفع مستويات التطور؛ فكيف يموت الناس من الجوع! ومن أمثلة ذلك الحرب الجارية في غزة وسوريا والسودان وكردستان. تتصاعد حروب الأديان والمذاهب والحروب الداخلية والإبادة العرقية بلا حد ولا حساب.

إن صح التعبير، يعيش المجتمع يوم القيامة ويراه بأم عينه. ومن اللافت جداً أن العلم الذي تطور حول المرأة الإلهة، في لحظاته التي كانت كزهرة تتفتح للتو، كان يضع ذلك العلم في خدمة المجتمع والطبيعة؛ فكيف تسرق اليوم عقلية الرجل المتسلط هذا العلم الاجتماعي من يد المرأة والمجتمع؟ ولا تكتفي بسرقته، بل تستخدمه في الوقت نفسه كقوة في مواجهة الكون والطبيعة والمجتمع بصورة وحشية.

لا شك أنه لا يمكن للطبيعتين الأولى والثانية أن تقبلا هذا النظام مفروضاً عليهما. فتاريخ البشرية، التي عاشت دائماً في صيغة الكومين، ومع تطور تاريخ المجتمع من العشيرة والكومين إلى القبيلة والعشيرة الكبيرة والقرية والحياة المدينية، اتخذ شكله الاجتماعي وأدار نظامه بنفسه. وحمى نفسه في جوهره. وحتى يحمي الناس أنفسهم من العقلية الفاشية والناهبة ولا يقعوا تحت سيادتها، احتموا أولاً في الجبال بصيغة القبائل؛ وعلى هذا الأساس استمر النظام الكومينالي للقبائل والعشائر حتى يومنا كتقليد، رغم ابتعاده عن جوهره. تقسم الدولة المجتمع إلى قسمين؛ أي إن إنشاء الدولة ينشئ مجتمعاً خاضعاً وآخر مسيطراً، وقد تطورت هذه العقلية حتى يومنا، بقيادة الرأسمالية، باسم عقلية الرجل المتسلط. وهدف النظام الرأسمالي، الذي تستند أيديولوجيته إلى الدولة القومية، أن يترك المجتمع بلا جذور، ويضعه في خدمته، ويبعده بهذه الطريقة عن تاريخه وثقافته وذاكرته. ولذلك انتفضت الشعوب في أنحاء العالم ضد هذا النظام، ونظّمت نفسها وحمت استقلالها الاجتماعي الذاتي.

من عصر المرأة-الأم وصولاً إلى الحركات الشعبية التي سارت عبر الأديان التوحيدية، من المسيحيين والمسلمين إلى الزرادشتيين والشيخ بدر الدين والقرامطة، كان هدف كل حركة توعية المجتمع وتنظيمه. وحاولت كذلك حماية نموذج الحياة الكومينالية على أساس القيم الكومينالية. ففي حركة القرامطة، على سبيل المثال، التي استمر نظامها نحو مئتي سنة، من سنة ٨٧٠ قبل الميلاد إلى سنة ١٧٠ ميلادية، نُظّم المجتمع بأسلوب النظام الكومينالي. وعلى هذا الأساس أُلغيت الملكية الخاصة في صفوفهم، وكانت المرأة تقود داخل الكومين. وهكذا أصبحت صيغة الحياة الكومينالية واقعاً معيشاً.

وفي الوقت نفسه، هناك أيضاً ميثاق المدينة. استند هذا الميثاق الذي أعلنه النبي محمد إلى ٤٨ مادة، وكانت مادته الأولى أبرزها وأكثرها تأثيراً. وهي مادة «المعادلة»، أي العدالة الاجتماعية. والمادة الثانية «المعرفة»، وتعني أن تتعارف جميع المكونات بطريقة علمية، وأن تعيش معاً وتقدّر بعضها بعضاً. والمادة الثالثة «الدفاع»، وتعني أن جميع الأديان والشعوب مسؤولة عن الدفاع عن مدينة المدينة. وهذا يعني أيضاً كوميناً يقيم حياته على قيم المجتمع الأخلاقي والسياسي.

وفي تاريخ اليونان أيضاً، تصبح فلسفة سقراط في معرفة الذات قضية يتناولها المجتمع. ومن خلال الحوار والأحاديث الجماعية، يتحول هذا النقاش إلى تجمع اجتماعي. وبذلك يوسّع سقراط مدارك الناس ويرتقي بالتساؤل عن الذات إلى أعلى مستوى. ويصبح ذلك، على مستوى الحياة الحرة والأخلاق الاجتماعية، مسألة تدفع المجتمع إلى مساءلة ثقافته ووجوده، والاجتماع معاً بطريقة كومينالية، وعيش حياته الاجتماعية بوعي على أساس القيم الأخلاقية والسياسية.

كان هدف جميع الحركات التي ظهرت حماية جوهر المجتمع وأخلاقه. فالحركات الشعبية المستندة إلى قوة المجتمع انتفضت وخاضت النضال دفاعاً عن حقوقها الطبيعية. واستند هدف هذه الحركات الاجتماعية إلى حقيقة وجودها وثقافتها. ومن أمثلة ذلك الثورة الفرنسية والإسبانية والنظام السويسري. كان هدفها أن تقود بأساليب حديثة، وتنظّم مطالب الشعب، وتبني مستقبلاً آمناً وحراً. ومن الأمثلة الثورة التي نشأت في فرنسا سنة ١٨٤٧ بقيادة الفلاحين ضد السلطة. فقد ظهرت حركات اجتماعية بسبب البطالة وعدم المساواة، تحت شعار الخبز والعمل. ويمكن القول إن هذه الحركات الاجتماعية كانت قوية آنذاك. والثورة الفرنسية التي نشأت من جديد في سنتي ١٨٧٠–١٨٧١ تحولت تدريجياً مرة أخرى إلى ثورة اجتماعية، وأعلن الناشطون في مدينة باريس نظاماً باسم الكومينات الراديكالية المستقلة. وأقام نظام كومين باريس نفسه على أساس إرادة الشعب. وكان أعضاء الكومين يُنتخبون عبر انتخابات ديمقراطية من العمال والنساء والشباب والأطفال والأطباء والفلاحين. وكانت النقطة الأهم في تأسيس الكومين أن الدفاع عن الذات كان القضية الأساسية لجميع أعضائه. وفي المجال الديني، يستطيع كل شخص أن يعيش دينه، لكن ينبغي ألا يتحول الدين إلى أداة للتسييس. غير أن قوى السلطة، نتيجة التحالف بين نابليون وألمانيا، حاصرت كومين باريس وهاجمت كومينات باريس بوحشية. ورغم أن قوى الحركات الاجتماعية لم تنحنِ، فإن كومين باريس الذي قاوم ٧١ يوماً انتهى بفقدان نحو ثلاثين ألف شخص حياتهم. تعرض هذا الكومين للهجمات بسرعة كبيرة، وبهذه الطريقة دُمّر نظام كومين باريس. فما الذي تسبب في عدم نجاح كومين باريس؟ كانت القضية الأساسية عدم إنشاء سلطة الكومين. والنقطة الثانية هي وجود ضعف في تنظيم الكومين. كذلك كانت هناك مشكلات في القيادة، وعدم تطبيق الأساليب الديمقراطية، وعدم توسيع نظامه. ولهذه الأسباب تعرض كومين باريس للانهيار.

ثورة أكتوبر، أي، أي ثورة تشرين الأول التي نشأت في روسيا سنة ١٩١٧، احتضنت المجتمع على نطاق واسع، وطوّرت بقيادة النساء نظاماً ديمقراطياً في صيغة الكومين، وأدارت نفسها بنفسها بكل السبل. وأصبح هذا النظام نموذجاً وأحدث تأثيراً كبيراً جداً في العالم كله. وبخاصة نظام التعليم، الذي أقام وحدة متوازنة بين النظرية والممارسة، صار نموذجاً بالغ التأثير. وكذلك في مجالات الزراعة والحياة الكومينالية والحرب الوطنية ودعم الحركات الأممية، أصبحت هذه الثورة المثال الأقوى. لكن سبب عدم نجاح هذه الثورة، رغم الأثمان الكثيرة والجهود الكبيرة، مسألة تحتاج إلى البحث والتساؤل. لماذا انهار هذا النظام؟! عندما نحلل، نرى أن أسباب الانهيار كانت على هذا النحو: أولاً، عدم إدراك الفرق بين النظام الرأسمالي والحداثة. ثانياً، إدارة المجتمع بعقلية الدولة القومية وأساليبها، وهو ما منع نشوء التضامن. ثالثاً، الدخول في منافسة مع النظام الرأسمالي لبناء اقتصادهم وصناعتهم. والنقطة الرابعة هي موقف الكوادر القيادية التي تصرفت بأسلوب بيروقراطي، واتخذت التمركز حول الأنا أساساً، وجعلت كل شيء للاتحاد السوفييتي وحده. وهذا أدى إلى تعفن الثورة السوفييتية وانهيارها من الداخل.

لغز سويسرا: لا يزال الشعب الذي يعيش في الجبال والقرى معروفاً بنظامه الديمقراطي حتى يومنا هذا. يستند تاريخ سويسرا إلى الحركات الاجتماعية التي خاضت نضالات كثيرة ضد النظام المركزي. وعلى هذا الأساس ناضلت، سواء في الحروب الداخلية أو في مواجهة أصحاب السلطة. وقد أُنشئ نظام الكومين، أو الكانتون، بقيادة الثوريين في القرى والمناطق المرتفعة. وفي سنة ١٨٤٧، اعتُمد دستور ديمقراطي نتيجة اتفاق. وعلى هذا الأساس أُعلن رسمياً نظام متعدد القوميات واللغات والأديان تحت مظلة النظام الديمقراطي. ويمكن القول إن النظام السويسري، الذي استند سنوات طويلة إلى الديمقراطية، قريب من نظام الأمة الديمقراطية. لكن المسألة الأهم أنه بقي محصوراً في داخله، ولم ينقل النظام إلى العالم كله. ولذلك، مهما تطورت ثورة بمشاركة الشعب، فإنها إن لم تتحول إلى تنظيم لنظام اجتماعي ديمقراطي، ستكون النتيجة في جوهرها سلطة.

المثال الاسكتلندي: يعرّف القائد النظام الاسكتلندي بأنه نظام أمة ديمقراطية. وفي سنة ١٩٩٨، أُعلنت اسكتلندا إدارة محلية. وتنظم نفسها على أساس اتفاق يعترف بحقوق الشعوب، وعلى أساس إدارة السياسة الديمقراطية وثقافة الشعوب. ويُعد النظام الاسكتلندي، من حيث التاريخ والإدارة الديمقراطية وبنظامه الذاتي، نموذجاً واعياً.

وكذلك في المجالين الجغرافي والاقتصادي، وبخاصة مع وفرة النفط والغاز الطبيعي هناك، تدير اقتصادها أيضاً بصورة مستقلة ذاتياً على نحو طبيعي. ولدى اسكتلندا دور يقوم على النظام والإدارة المحليين. وهي صاحبة القرار، وبخاصة في مجالات الصحة والعدالة والثقافة. لكن برلمان إنجلترا هو صاحب القرار في مجال الدفاع، أي الأمن العام، وفي تحديد السياسة الخارجية. وينظم النظام البرلماني الاسكتلندي، الذي نظم نفسه في عام 1999 ويستند إلى النظام المحلي، أمنه الداخلي. كما ينظم نفسه بصورة مستقلة ذاتياً في مجالات العدالة الاجتماعية والصحة والبلديات. كذلك فإن تلك الهيئة أو المجلس هو أعلى سلطة تشريعية؛ وينظم نفسه على أساس التعليم والخدمات ومؤسسات الأطفال والإدارة المحلية، وكذلك بناء الطرق والرياضة ومؤسسات الثقافة والفنون، وذلك عبر اقتصاده المستقل ذاتياً وجباية الضرائب. وفي مجال الإدارة السياسية أيضاً توجد علاقة بين البلدية والإدارة المحلية. ومهمة المجلس البلدي هي القيام بواجبه في مجال التعليم، مثل تحديد سياسة التعليم، ومؤسسات الأطفال، ومؤسسات كبار السن، والرياضة، والمكتبات، وتحديد الموارد المالية، سواء من البرلمان العام لإنجلترا أو من خلال تحديد موارده المالية المستقلة ذاتياً. ويُنتخب أعضاء إدارة البلدية بإرادة الشعب. وفي مجال النظام القانوني، تدير نظامها القانوني بصورة مستقلة ذاتياً. ولديها أيضاً نظام مستقل ذاتياً في مجال الجامعات والأكاديميات، وهو معروف في العالم كله. لكن إقرار النظام التعليمي يتم عبر برلمان إنجلترا. وفي الوقت نفسه تعمل مؤسسات إنجلترا واسكتلندا، مثل مؤسسات الدفاع والعلاقات الخارجية والمؤسسة الاقتصادية، بصورة مشتركة في علاقاتها بعضها ببعض. لكن المؤسسات الاسكتلندية لا تندرج ضمن النظام الإنجليزي. كما أن النظام المحلي مستقل، غير أن الجميع مسؤولون في مجال الدفاع الوطني. أما دور المجلس الشعبي فهو أداء دوره في التشاور بين الإدارة المحلية والشعب. لكنه لا يملك سلطة اتخاذ القرار. وفي مجال الأحزاب السياسية، تؤدي جميع الأحزاب السياسية دورها داخل النظام، ولها تمثيل في البرلمان العام لإنجلترا. ويشغل هؤلاء الممثلون في الوقت نفسه مواقع في البرلمان الاسكتلندي وفي الإدارة المحلية، ويؤدون دورهم. وتنشط حركات النساء والشباب من أجل حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. كما تجري حركات الشباب النقاشات وترسل مقترحاتها إلى برلمان إنجلترا، ويُتخذ القرار النهائي هناك. كذلك فإن العلاقة بين البرلمان الاسكتلندي وبرلمان إنجلترا علاقة متوازية. ومع أنه يتخذ قراراته بنفسه، فإن برلمان إنجلترا يتخذ القرار الأخير في بعض المسائل. وبصورة عامة، عندما نقيّم النظام الاسكتلندي، نرى أنه يمثل نموذجاً للأمة الديمقراطية. لأن ثقافات كثيرة ولغات كثيرة وأدياناً ومعتقدات وثقافات تعيش معاً. وعلى هذا الأساس، بقدر ما يمثّل الشعب إرادته داخل النظام، تزداد قوة الديمقراطية، ويصبح دور الدولة السلطوي عديم التأثير. وفي الوقت نفسه يتأسس نموذج الدولة + الديمقراطية.

في السنوات الماضية، نشأت في البلدان العربية موجة انتفاضات ربيع الشعوب في تونس ومصر ولبنان وسوريا. لكن للأسف، سُرقت انتفاضات الشعوب التي قامت ضد السلطة الدولتية، وهذه الانتفاضات والهبات انتُزعت من أيدي الشعوب وتحولت إلى حروب على السلطة. وبهذه الطريقة ابتعدت ثورات الشعوب عن أهدافها، ولم تعد قادرة على تحقيق تحول جذري. أي إنها لم تستطع إنجاز ثورة اجتماعية وسياسية وفنية وروحية، ولا الدفاع الجوهري. ولهذا تحول ربيع الشعوب إلى شتاء الشعوب، ولم تتحقق الثورة بعد ذلك.

بفلسفة القائد آبو، أحدثت حركة حرية الشعب الكردي ثورة ذهنية، إذ طرحت الحياة الكومينالية في مواجهة عقلية الدولة بصيغة جديدة، أي بصيغة الدولة+الديمقراطية. وتستند هذه الباراديغما الجديدة إلى نظام الكومينالية، أي إنها تعبّر عن أيديولوجيا الاشتراكية الديمقراطية.

في يومنا هذا، تتعمق المشكلات الاجتماعية باستمرار، سواء في الاقتصاد أو التهجير أو الاعتداءات أو مشكلات المرأة والرجل أو المشكلات العائلية. لكن الأنظمة والنماذج القائمة لا تقدم حلولاً لهذه المشكلات. ولذلك هناك حاجة إلى نظام يستند إلى جوهر المجتمع. أي إن هناك حاجة إلى النموذج الكومينالي؛ فهذا النموذج الذي يعرّفه القائد آبو باسم اتحاد الكومينات الديمقراطية يتخذ إدارة المجتمع المباشرة أساساً. ويُبنى هذا النظام على الأسس التالية: ١-المواطنة الحرة، ٢-المجتمع الديمقراطي، ٣-الإدارة الإقليمية الموسعة، وهي في صورتها الملموسة البلدية. يعيد هذا النموذج الجديد تناول المشكلات واحدة واحدة ويجد سبل حلها. وينجز ذلك بأساليب كومينالية ومشتركة. وبمشاريعه الحديثة وبإرادة الشعب، ينظم الكومين نفسه في مواجهة عقلية النظام الرأسمالي، ويدير نفسه ديمقراطياً. وبعيداً عن القوالب والقوانين الجامدة، يتخذ المناهج والمبادئ الأخلاقية-الجمالية أساساً لنفسه. وبأسلوب إدارة السياسة الاجتماعية الديمقراطية، يُفرغ عقلية الدولة والسلطة من تأثيرها.

الكومين هو أساس بناء النظام الديمقراطي الكومينالي. وكما تقول القيادة أيضاً: «الخلية الجذعية للمجال الاجتماعي تستند إلى الكومونة. والكومونة تعني التكوّن الاجتماعي. ستُبنى كومونات في كل مجال: الصحة والتعليم واللغة والثقافة والتاريخ والرياضة. ويمكن إنشاء كومونات للغة والتاريخ والفلسفة على نطاق هائل».

كذلك فإن الأسرة والعشيرة والقبيلة هي المكونات الأساسية للنظام الكومينالي. ومفهوم المجتمع الأخلاقي والسياسي يقف في مواجهة مفهوم الدولة. وقد وُضعت أمثلة ذلك موضع التطبيق اليوم على وجه الأرض؛ فعلى سبيل المثال، طُبق هذا النموذج المجتمعي إلى حد ما في شمال كردستان وجنوبها، وفي مخمور وشنكال وروج آفا. وبخاصة في شمال شرقي سوريا، نشأت مشاركة قوية في الثورة عبر التعليم والاجتماعات والندوات والحوار وتطوير الثقافة واللغة. واكتسب الشعب في مواجهة نظام البعث مستوى من المعرفة والتنظيم، وخيض نضال شاق. كذلك، نتيجة نضال ومقاومة لا مثيل لهما، بُنيت قوة الدفاع الذاتي بصورة قوية وواسعة. وقاومت قوة الدفاع هذه لشعوب شمال شرقي سوريا طوال سنوات نظام البعث وعصابات داعش. وعلى هذا الأساس، أعلنت شعوب روج آفا وشمال شرقي سوريا للعالم كله نظامها للإدارة الذاتية للمجتمع الديمقراطي. وبهذه الصورة، نُظم نظام الكومينات لإدارة المجتمع. وفي قاعدة المجتمع، نُظم نظام الكومين عبر تنظيم الأحياء والقرى والمدن. وللمرة الأولى، أدار الشعب كوميناته بإرادته، وانتخب ممثليه بنفسه. وأدار نظام إدارته الذاتية. ومع أن هذه هي التجربة الأولى، فإن نظام إدارة الذات دخل حيز التنفيذ، وجميع مكونات شمال شرقي سوريا، مثل الكرد والعرب والشركس والأرمن والآشوريين، تمثل إرادتها بنفسها. وتُمثّل الأديان والمعتقدات الإسلامية والمسيحية والعلوية والإيزيدية داخل نظام الإدارة الذاتية. ولهذا تتوافق جميع المكونات، انطلاقاً من مسؤوليتها الطبيعية، على أساس العقد الاجتماعي، وتحمي نظام إدارتها الذاتية. لكن هذا لا يعني أن بناء نظام الكومين قد نُظم وفق غايته. وعلى هذا الأساس، يمكننا تقييم أوجه القصور على النحو التالي: عدم النظر إلى نظام الكومينات بصورة استراتيجية، أي إن مقاربة تكتيكية تتطور. وكذلك عدم تحقيق نظام الكومين بصورة كاملة. أي إن جميع أعضاء المؤسسات لا يشغلون مواقعهم داخل نظام كومين حيهم أو قريتهم. وهذا يؤدي إلى حدوث قطيعة بين مجموع المؤسسات والكومينات. كما أن أعضاء المؤسسات لا يرون أنفسهم مسؤولين أمام الكومينات. وهذا أيضاً ينبع من عدم الفهم الجيد لنظام الكومينات. فالشخص الذي يكون عضواً في كومين في القرية أو الحي يمكنه في الوقت نفسه أن يكون عضواً في مؤسسة أو تنظيم آخر أيضاً. وفصل نظام الكومينات والمؤسسات بعضها عن بعض يعني مقاربة وضعية. وهذا يؤدي أيضاً إلى تطور مقاربة الهندسة الاجتماعية، وبهذه الصورة تتطور العقليات السلطوية والمتمركزة حول الأنا والبيروقراطية. وعقلية التجزئة تتسبب في تفتيت نظام المجتمع الديمقراطي، فلا يبلغ أسلوبه وغايته بروحه الكومينالية. لكن منهج الثنائية يتيح للمرء أن يعيد تناول نظامه ويعيد بناء نفسه. وإذا اعتُمد منهج تقييم التجارب المكتسبة، واستُخلصت منها الدروس، وطُورت الحلول عبر الحوارات، فسوف تُحدد الخطط والبرامج الأساسية للمجتمع.

وفي شمال كردستان أيضاً، على خلفية إعلان الكونفدرالية الديمقراطية، شنت الدولة التركية المحتلة هجمات وحشية على الشعب، لكن نظام المجتمع الكومينالي يُدار بصورة منظمة. وفي مجالات البلديات وإدارة المناطق وتنظيم المدافعين عن البيئة وتشكيل المجالس الشعبية، يُتاح لنظام المجتمع الديمقراطي أن يتغلغل في جذور المجتمع. ومن خلال الأحزاب السياسية والعلم والثقافة والفن، نسعى إلى تطوير نظام المجتمع الديمقراطي الذي يستند إلى جميع المكونات.

وكذلك في شنكال، حيث يعيش أقدم الشعوب وأساسه كومينالي، حُفظت ثقافة الكومين حتى يومنا هذا. وعلى هذا الأساس، ينتشر النظام الكومينالي في جميع جذور المجتمع وفروعه مثل طاقة متدفقة.

وفي شرق كردستان وجنوبها أيضاً، تحتل القيم الكومينالية مكانة بارزة جداً. ونرى أن قلب المجتمع الطبيعي ينبض اليوم بين النهرين؛ فمهما فرض نظام الدولة القومية على الشعب سياسات الصهر بأساليب دقيقة، فإن الشعب يحافظ حتى يومنا هذا على وجوده الاجتماعي بقيم الثقافة الكومينالية. ولهذا فإن نظام الكومين يتحقق، أكثر من غيره، بصورة طبيعية داخل المجتمعات والشعوب. وهذا يبيّن أيضاً أن نظام الأمة الديمقراطية هو النظام الأصح للمجتمع.

تقيم الحداثة الديمقراطية نفسها على ثلاث ركائز، والركيزة الأولى هي الأمة الديمقراطية. ويقول القائد آبو أيضاً إن تعريف الأمة الديمقراطية، التي تعني «كومونة الكومونات»، يعني أنها تحدد نظام حياتها بإرادتها وقوتها الجوهرية، دون أن تستند إلى الدولة، وتدير نفسها بنفسها. وبهذه الصورة، يستطيع كل مجتمع أن يجد مكانه داخل هذا النظام.

الركيزة الثانية للحداثة الديمقراطية: الصناعة الإيكولوجية في مواجهة النزعة الصناعية. وكما تقول القيادة أيضاً: «بسبب الرأسمالية القائمة، أصبحت الطبيعة كلها مفتوحة للاستغلال، ويُنتَج فائض القيمة. والنزعة الصناعية هي أقذر أساليب الرأسمالية في النهب». وفي مواجهة وحش رأسمالي كهذا، يستطيع المجتمع تأمين معيشته ببناء نظام صناعي إيكولوجي، أي بتطوير كومين الاقتصاد.

الاقتصاد، الذي يعني تدبير معيشة المنزل وقد نشأ على يد المرأة، أُبعدت عنه المرأة اليوم قسراً، للأسف. ولهذا يجب أن تقود المرأة مرة أخرى الاقتصاد الكومينالي داخل نظام الحداثة الديمقراطية. وبجوهرها القائم على المساواة والعدالة، تستطيع المرأة أن تقود اقتصاداً يستند إلى الطبيعة.

الركيزة الثالثة للحداثة الديمقراطية هي بناء المجتمع الديمقراطي/الكومينالي في مواجهة المجتمع الرأسمالي. أي إحياء جوهر المجتمع وقيمه من جديد. فالليبرالية، أيديولوجيا النظام الرأسمالي، تستند إلى الحرية الفردية، وفي الوقت نفسه تفصل الفرد عن المجتمع. أي إنها تقف ضد الوجود الاجتماعي. وفي مواجهة عقلية هذا القاتل الكاستي، تعرّف القيادة نظام الكومين بأن الكومونة هي سمة المجتمع وطابعه. والكومونة هي نمط وجود المجتمع، وعلى أساسها يتجسد المجتمع. والكومونة في جوهرها تمثل الحرية والمساواة، كما تمتلك خصائص ديمقراطية.

كذلك تستند خصائص الكومين إلى مبدأ الاشتراكية، وتُدار اشتراكية الكومين على مبدأ الديمقراطية. أي إن الكومين يجري نقاشاته بنفسه، ويضع المشاريع ويتخذ القرارات بشأن نمط الحياة الكومينالية. كما يمكن لجميع الأعمال الاجتماعية أن تنظم نفسها عبر الكومونات. وهذا يعني أن على جميع المؤسسات والتنظيمات أن تكون على اتصال وعلاقة بعضها ببعض. ومع أن لكل كومين استقلاله الذاتي، فإنهم في الوقت نفسه يصبحون أعضاء في كومين الحي أو القرية التي يعيشون فيها، ويرون أنفسهم مسؤولين أمامه. وبهذه الصورة، سوف يسري الدم في الجسد بسلاسة، وتمضي الحياة بصورة ديناميكية ومتدفقة.

ينظم نظام الكومين نفسه على الأسس الجوهرية للمجتمع. ولا شك أنه، كما تطور الكومين الأول حول المرأة–الأم على أرض كردستان، فإن المرأة اليوم أيضاً، عبر الثورة الثانية وبريادة المرأة، تقود مرة أخرى اتحاد الكومينات الديمقراطية على أرض كردستان. ويمكننا أن نلفت الانتباه إلى بعض أمثلة الكومينات التي نبنيها:

كومين المرأة الحرة: كما طورت المرأة–الأم، بطاقتها المتدفقة، علم الحياة الكومينالية حول مجتمعها، فإن المرأة اليوم أيضاً ستقود بناء الكومينات. وبخاصة الارتقاء بعلم المرأة، الجينولوجيا، وكذلك معرفة الذات ومعرفة وجودها، وتعزيز تنظيم المجتمع على أساس علم الاجتماع، كل ذلك سيتحقق بريادة المرأة الحرة. وفي مجال الدفاع عن الذات في مواجهة النظام الذكوري، يُعد بناء نظام كومينات مستقلة ذاتياً وإنشاء مساحات حرة للنساء أمراً بالغ الأهمية. والهدف الرئيسي هو إنشاء مساحات مستقلة ذاتياً ومساحات حرة للنساء في مواجهة واقع الرجل المهيمن وضغوط الأسرة. وإنشاء كومينات مستقلة ذاتياً ومساحات حرة للنساء له دور حاسم ورئيسي في بناء المجتمع الكومينالي. ولكومينات النساء دور رئيسي سواء في بناء الاقتصاد أو في الدفاع الجوهري والأكاديميات وتعليم الأطفال والثقافة والفن.

كومينات الأطفال أو مسؤولية الكومين تجاه الأطفال: الأطفال هم أساس بناء مستقبل المجتمع. لكن بسبب العقلية الدولتية والتمييزية جنسياً التي تتطور داخل الأسرة، لا يستطيع الطفل أن يعيش بصورة سليمة وأن يحيا أحلامه بالحرية. ولهذا لا يمكن تنشئة الأطفال بنظام الأسرة ولا بالنظام الدولتي. وسيُعلَّم الأطفال ويُنشَّؤون داخل نظام الكومين.

كومين الدفاع الجوهري: العنصر الأكثر أساسية في النظام الكومينالي هو بُعده الدفاعي. والدفاع عن الذات ظاهرة حية منذ بداية تاريخ البشرية حتى يومنا هذا. فالمجتمع الذي واصل حياته سنوات طويلة بأسلوب الكومين بنى دائماً نظام دفاعه في مواجهة كل أشكال الأخطار والتهديدات. وبهذا المعنى، يُعد الدفاع عن الذات داخل نظام الكومينات مسألة حيوية ومهمة. وفي كل حي وقرية ومدينة، بل وفي كل كومين، يجب، بعقلية الدفاع عن الذات، معرفة كيفية حماية الذات من كل أشكال الهجمات المحتملة. ويجب اعتماد تطوير الدفاع الجوهري والتنظيم بالروح الكومينالية أساساً في جميع قطاعات المجتمع. وبخاصة في المرحلة التي نعيشها، ومع الحروب بالطائرات المسيّرة والأسلحة الكيميائية والفوسفور ومحاولات إشعال الحروب الداخلية وتطوير الذكاء الاصطناعي، يُشن قصف شديد على المجتمع. ويُهجّر الشعب قسراً من أماكنه ودياره. وبهذه الطريقة يحاولون تفكيك النظام الاجتماعي. ويمحون ثقافة المجتمعات وتاريخها، ويُغيّبون وعي أفراد المجتمع عبر الدعارة والمواد المخدرة. وفي مواجهة هذه العقلية الرأسمالية، يُعد الدفاع عن الذات على أعلى مستوى أمراً بالغ الأهمية وحيوياً. لكننا نعلم جيداً أنه لا حدث ولا وضع ولا هجوم أكبر من الوجود الاجتماعي. فمهما هاجموا بأقذر أساليب الحرب الخاصة، فإن المجتمع يواصل المقاومة ويحافظ على وجوده.

دور القبائل والعشائر في نظام الكومين: تاريخ العشائر والقبائل تاريخ عريق. ويعود تاريخها تقريباً إلى ما بين 5000 و6000 قبل الميلاد. وتنظم القبائل والعشائر نفسها على أساس المجتمع الكومينالي. وكانت ثقافة المجتمع الكومينالي ثقافة قوية جداً. فعلى سبيل المثال، كان الفرد يقاتل من أجل عشيرته، وكانوا يحمون بعضهم بعضاً، وكذلك كانت القبيلة أو العشيرة تبذل جهوداً كبيرة وتخوض مقاومات عظيمة لحماية أفرادها. ويمكن القول إنه كان هناك نظام للحماية المتبادلة. أي إن الفرد كان يضحي بنفسه من أجل العشيرة، والعشيرة أيضاً من أجل الفرد. لكن كما نشأ الهجوم الأول على كومين المرأة–الأم، نشأ الهجوم الثاني أيضاً على القبائل والعشائر. وفي مواجهة هذه الهجمات كذلك، نظم المجتمع نفسه في شكل قبائل وعشائر، وطور مستوى الدفاع عن الذات بصورة قوية. وفي يومنا هذا أيضاً، يمكن للعشائر والقبائل، التي تشكل استمراراً للقيم الكومينالية، أن تعود إلى جوهرها الأصيل وتصبح القوة الطليعية للمجتمع الكومينالي. لأن القوى المهيمنة اليوم، التي تستند إلى العلم الوضعي، قد قلبت دور القبائل والعشائر، وتحاول بأساليب الحرب الخاصة أن تفرق بينها وتجعلها في خدمة مصالحها. لكن داخل باراديغم المجتمع الكومينالي الديمقراطي، المعروف أيضاً باسم اتحاد الكومينات الديمقراطية، تستطيع القبائل والعشائر أن تمثل نفسها، وأن تحبط بوحدة قوية جميع أشكال هجمات الحرب الخاصة التي تشنها القوى المهيمنة.

البلديات: كما أوضحت القيادة في المانيفستو: «يمكن أيضاً تحريك المجتمع الكومينالي عبر البلديات». وانطلاقاً من حركات البلديات الديمقراطية، التي تمثل التمثيل الأساسي للإدارة المحلية، وصولاً إلى كومينات القرى والأحياء، والتعاونيات، ومؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وحقوق الأطفال وحركة الشباب وحركة حرية المرأة، وحتى التنظيم الاقتصادي وحقوق الحيوانات، يمكن تنظيم المجتمع بصورة واسعة.

وفق هذه التعريفات، يتضح أن دور البلديات في إدارة المجتمع بالغ الأهمية. لكن العقلية الدولتية أفرغت البلدية من مضمونها. فالبلدية في الحقيقة نظام يستند إلى الأسس الكومينالية. غير أن نظام الدولة القومية حوّل البلدية أيضاً إلى مركز للمراقبة البوليسية. ولهذا يضع رجاله دائماً داخل البلديات، كي يبقيها تحت مراقبته على مدار أربع وعشرين ساعة. وكذلك لا تُنتخب إدارة البلديات بصورة ديمقراطية. بل، على العكس، تُعيَّن من جانب الدولة، وينشأ نظام البلديات في النظام الدولتي منفصلاً عن المجتمع. أي إن إرادة المجتمع تُعد معدومة، بل إن الدولة ترى أن من حقها تعيين من يتولى المهمة وإعفاءه منها. لكن البلدية، كما عرّفتها القيادة في مرافعاتها، تستطيع تنظيم نفسها عبر حركات البلديات الحرة. ولهذا فإن أهم مجال ينبغي إضفاء الديمقراطية عليه هو مجال البلديات. وهذا يبيّن في الوقت نفسه أن هناك حاجة إلى تحول ديمقراطي. وتصبح القرى والمدن والقرى الجبلية أقوى الأسس لبناء ثقافة الديمقراطية. ولهذا فإن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها هي أن يحدد الشعب ممثليه بنفسه وبإرادته، أي أن يحدد إدارة المجتمع الكومينالي. وإذا لم تُدر القرى والمدن حياتها بثقافة الديمقراطية، فلا يمكن أن تصبح البلدية ديمقراطية. ولهذا من المهم جداً أن نتوقف عند نظام البلدية والمؤسسات المرتبطة به. وعلى هذا الأساس، يتمثل دور البلدية في تنظيم مجمل حياة المجتمع عبر العلاقات بين الكومين والبلدية.

يجب أن تكون بلديات القرى والمدن في حوار متوازن وديمقراطي. ويمكنها حل المشكلات الاجتماعية والطبيعية المرتبطة بنمط إدارة حياة قراها ومدنها والحياة الاجتماعية عبر نقاشات ديمقراطية. كما يجب أن تتشارك قرارات الكومين بصورة مباشرة وأن تلبي الاحتياجات المحلية. كذلك تنظم البلدية ومجلس المدينة جميع احتياجات المجتمع بصورة مشتركة. فعلى سبيل المثال، في مجال التعليم وبناء الأكاديميات والمؤسسات التعليمية، وفي مجالات الخدمات والدبلوماسية والاقتصاد والصحة، يجب أن ينظم الجميع أنفسهم بصورة مشتركة، كي تُحمى البلدية في مواجهة العقليات التمييزية جنسياً والقومية والسلطوية، وألا تقع تحت سيادة القوى الحاكمة. كما تؤدي البلدية دور الجسر بين المجتمع والدولة. لكن النقطة الأهم هي ألا يبقى دور المجتمع جامداً. وعلى أساس حماية طبيعة القرى والمدن أيضاً، يجب أن نحول مشاريع غرس الأشجار ونظافة البيئة ومساعدة بعضنا بعضاً بصورة مشتركة إلى ثقافة حياة. وبهذه الصورة تُبنى ثقافة الديمقراطية بصورة طبيعية. لكن بسبب الحرب والنهب واستخدام المواد الكيميائية، وكذلك كثرة السيارات والمصانع والتلوث البيئي، تواجه الطبيعة والبشرية كارثة كبرى. والبلدية، أي الإدارة البلدية، توسع عبر المجتمع نظام كومين البلدية الحرة، وتصبح مكاناً للنقاش والقرارات الجماعية. ولهذا، من أجل جمال المدن والأحياء والقرى وزينتها، يجب أن يتحرك جميع أفراد المجتمع بصورة مشتركة وجماعية، وأن يمضوا بالعمل والنشاط.

الاقتصاد الكومينالي: لكي يتطور نظام المجتمع الديمقراطي في إطار مجتمع أخلاقي وسياسي، يجب تطوير التعاونيات ضمن سياسات اقتصادية تستند إلى الأسس الديمقراطية. والمهمة الرئيسية التي ينبغي القيام بها لبناء نظام اقتصاد ديمقراطي هي أن نعيد، عبر التعاونيات، الاقتصاد الذي انتُزع من يد المجتمع إلى ملكية المجتمع. ومعنى كلمة التعاونية أيضاً هو مجموعة من الناس اجتمعوا معاً ويلبون احتياجاتهم بالتساند. والتعاونيات هي تلك الحركات الاقتصادية التي لا تستند إلى أي طبقة أو جماعة، وتعمل معاً على أساس الاحتياجات. ولبناء أنظمة التعاونيات، يجب فهم دور النظام الديمقراطي في البناء الاجتماعي فهماً صحيحاً. وحيث لا يوجد نظام ديمقراطي، لا يمكن تطوير نظام التعاونيات. وفي مواجهة الهجمات على المجتمع، إذا عُرّفت التعاونيات بصورة صحيحة وعملت، فسوف تستجيب للاحتياجات بدرجة كبيرة، وسوف تُحبط الهجمات الاقتصادية. ويحدد نظام التعاونيات احتياجات الشعب من جميع الجوانب ويلبي هذه الاحتياجات. وبقدر ما تستند التعاونية إلى القوة الجوهرية للمجتمع، فإنها تحل مشكلات الجوع والبطالة. فعلى سبيل المثال، طبيعة كردستان، وبخاصة أرضها ومياهها، خصبة وغنية. ولكي تُطور التعاونيات عملياً، على سبيل المثال، يجب تطوير أنواع كثيرة من الكومينات لهذا الغرض.

أرض كردستان والشرق الأوسط خصبة ومنتجة جداً، لكن للأسف فإن شعب أجزاء كردستان الأربعة يعيش اليوم، نتيجة سياسة الدولة القومية، وضعاً ثقيلاً من البطالة. ويعيش بلا ماء وبلا أرض وبلا طاقة. وبإنشاء كومينات تعاونية، يستطيع المجتمع تلبية جميع احتياجاته. وحول نهري دجلة والفرات توجد أرض خصبة، ويمكن تطوير مئات المشاريع الاقتصادية والإيكولوجية. فعلى سبيل المثال، إنشاء كومينات للطاقة والمياه والزراعة، وصولاً إلى تطوير غابات متنوعة.

كومين الطاقة: سيكون هذا الكومين، بعقلية مشتركة ومتضامنة، في نقاش مع جميع أفراده، من أجل تطوير مشاريع حديثة للكهرباء الطبيعية عبر المياه والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك الطاقة فوق الأرض وتحتها، بصورة طبيعية لا تلحق الضرر بالطبيعة، والعمل في خدمة الكومين والمجتمع.

كومين الزراعة: أرض كردستان شديدة الخصوبة. ولهذا يمكن تطوير مئات الكومينات الزراعية ومئات مشاريع الزراعة والتحريج. وكذلك يمكن تربية الحيوانات والانتفاع بها وتقاسم ذلك بصورة مشتركة، عبر سياسة صحيحة للكومين.

كومين المياه: المياه هي الحاجة الأكثر أساسية للطبيعة الأولى والثانية. وإذا لم توجد المياه، فلن توجد الحياة أيضاً. ولهذا يمكن، بوعي قائم على العلم الاجتماعي، تطوير مشاريع حماية المياه بصورة مشتركة. ويمكننا تقاسم المياه بصورة مشتركة ومتساوية بين جميع فروع المجتمع. وعلى هذا الأساس، ستصبح مشاريع الاقتصاد الكومينالي مثمرة في كل مجال من مجالات المجتمع، وتصبح ملكاً للمجتمع كله.

كومين الصحة: أن يكون المرء ذاته مسألة من أهم مسائل المجتمع الديمقراطي. والنقطة الأهم هي أن يعيش المجتمع بصورة سليمة. كذلك فإن المجتمع السليم ينشئ معه أفراداً أصحاء. وإذا عاش بهذه الفلسفة، فإنه يستطيع أيضاً في المجالات الذهنية والأيديولوجية والروحية أن يقف في مواجهة أمراض النظام الرأسمالي وأن يحمي نفسه. ولهذا فإن الثورة الوحيدة في مواجهة أمراض الرأسمالية هي الوجود الاجتماعي. وبهذا المعنى، تُعد الصحة أهم عناصر الكومين. ولهذا يجب أن يقارب كل عضو في الكومين حياته بعقلية الصحة وحماية الطبيعة، وأن يحمي مجتمعه الكومينالي الديمقراطي. والمجتمع الذي يعرّف نفسه عبر العلم والأخلاق والسياسة والحرية، ويعيش بصورة سليمة، سوف يحمي حياته الاجتماعية بنشاط من جميع أشكال الأمراض ويدير نفسه.

دور الأفراد الأحرار في الكومين: الفرد أو الفردة الذي ينظم نفسه داخل نظام الكومين يصبح صاحب إرادة وفكر ورأي، ويستطيع التعبير عن أفكاره داخل الكومين بصورة حرة وديمقراطية، والمشاركة في الكومين بديمقراطية مباشرة. كما يمكن لكل شخص، بحسب موهبته وقوته وفنه، أن يجد مكاناً داخل الكومين وأن يؤدي دوراً.

كومين الفلسفة: الفلسفة تعني علم المعرفة. ولهذا، إذا لم تكن للشخص أو للمجتمع فلسفة، فلا تكون حياته ممكنة أيضاً، أي تصبح بلا معنى. لكن منذ مرحلة الكلان التي تطورت حول المرأة–الأم، نشأ معها الفضول والبحث في الحياة والكون. وإذا صح التعبير، فإن الأم أعظم عالمة وفيلسوفة في الكون. وبهذه القوة والطاقة خلقت الحياة والمجتمع. وكان جمال الحياة مرتبطاً بالفلسفة أيضاً. كذلك فإن زرادشت، الذي طور فلسفته على أساس الثنائية، أحدث تأثيراً حيوياً في المجتمع. وسقراط أيضاً، الذي لفت انتباه المجتمع إلى معرفة «اعرف نفسك»، أنار المجتمع وأيقظه عبر الحوارات. أما النظام الرأسمالي اليوم، فقد ترك المجتمع بلا فلسفة وبلا علم، بعيداً عن حقيقته التي كانت دائماً في بحث عن معرفة الكون والمحيط، كي يعيش المجتمع يوماً بيوم فحسب. والمجتمع بلا فلسفة هو مجتمع بلا روح. ولهذا السبب، نبني الكومينات داخل نظام الأمة الديمقراطية على أساس فلسفة «اعرف نفسك واجعلها معروفة». ودور كومينات الفلسفة داخل المجتمع هو تطوير الحوارات والنقاشات مع المجتمع، وتبادل الأفكار والآراء بحرية، ومواصلة النقاشات حول الأخلاق والجماليات. كما يجب أن تتخذ قرارات بشأن السياسات اليومية بروح كومينالية، وأن تطور آراء بشأن تدبير معيشتها. وعلى هذا الأساس، ومع بناء كومينات الفلسفة وأكاديمياتها، التي تتمثل مهمتها في بناء عشق العلم وفلسفة الحياة الكومينالية، يجب مناقشة البحث في الشخصية وصولاً إلى المجتمع والطبيعة والكون. ويجب أن نقدم الإجابة الصحيحة عن سؤال: كيف نعيش؟ وأن نطور فلسفة تستند إلى الحياة الحرة.

مهمة الكوادر الطليعية في بناء اتحاد الكومينات الديمقراطية: مع جريان نهر التاريخ حتى يومنا هذا، فإن الدور الطليعي حاسم داخل جميع الحركات. ولهذا، بريادة المرأة–الأم، وبالقيم الأخلاقية والكومينالية التي كانت تدير المجتمع، وكذلك بريادة الأنبياء والفلاسفة، كانت القيم الاجتماعية تُحمى وتُدار. وهدف كل فيلسوف وكل رائد للعلم هو أن ينير المجتمع ويبلغه المستوى الذي يستطيع فيه المجتمع إدارة نفسه بنفسه. ولهذا، فإن بناء اتحاد الكومينات الديمقراطية يحتاج أيضاً إلى ريادة توحّد قلبها وعقلها مع المجتمع.

يجب أن يؤدي الكادر دوره الطليعي بفهم ينتقل من الفردية إلى الكونية، وببناء فلسفة الحياة الكومينالية. كذلك تحيي الكوادر الطليعية في كل لحظة علم الاشتراكية الديمقراطية وثقافة الإدارة الديمقراطية. وبفلسفة كيف يعيش المجتمع وكيف يبني نظام الكومينات الديمقراطية، يجب أن يكون الطليعي دائماً في حركة بعشق كبير، وأن يكون مثالاً للمجتمع على المستوى التنظيمي. كما يجب على رواد الكومينات أن يبنوا في أنفسهم علم الوجود والوعي بذاتهم، وأن يبلغوا بهما مستوى النضج الكامل. والنضج الكامل، أو تشكله، يعني أيضاً أقوى تنظيم؛ أي إن على كل طليعي أن ينظم مئات الكومينات وأن يقوّي النظام الاجتماعي. وبقدر ما ينهض الطليعي بمعرفة القيم الكومينالية التاريخية، يستطيع حماية نفسه والمجتمع في مواجهة العقليات الدولتية والتمييزية جنسياً والعلموية والدينية المتعصبة. وبقدر ذلك أيضاً، سيتمكن من بناء الاشتراكية الديمقراطية في مواجهة النظام السلطوي.

 

Dîrok Kahraman