كردستان موطن الفدائيين، وعلى هذه الأرض زُرعت بذور البطولة مع سنابل القمح.
أبناء هذه الأرض، أصحاب الحليب الحلال، الذين أكلوا من خبز الكرامة وشربوا من ماء العزة، لم يقبلوا قطّ قذارة الخيانة ولا رجس الاحتلال. وكلما مضوا، منحوا ضياءهم لوطن النار والشمس، وصاروا نجوماً للأمل من أجل شعبٍ مستضعف ومحروم. صاروا مطر الكرامة الذي هطل على هذه الأرض كي لا تذبل وردة الشوق. وسقوا شتلة الحرية بدمائهم. لقد صاروا روح الحياة. صاروا قبلة الآمال والمرادات في أجزاء كردستان الأربعة. وعلى درب الأبطال صاروا سالكين ومقتفين للأثر. أحياناً خرجوا إلى مسرح التاريخ كأبطال وقادة، وتسمّوا باسم إگيد وزيلان، فصاروا رفاق التلال والمنحدرات، ورفاق الصخور والجبال، وصاروا حكاية الجداول والينابيع والأنهار. وأحياناً بروح المناضلين الشباب صاروا جبلاً من البراكين. تسمّوا باسم بختيار، وصاروا رمزاً للإيمان والوقفة الحاسمة.
“ينهض لحماية قيم شعبه”
فتح بختيار گابار عينيه على الدنيا في قضاء شاخ التابع لوان، وسط عائلة مرتبطة بقيم شعبها. في دنيا لم يُترك فيها أي مكان للكرد. وجودهم وهويتهم كانا يُنكران. والسلطة المهيمنة كانت تُظهر وجودها على أساس عدم وجودهم. وبختيار أيضاً، كفرد من عشيرة أرتوشي الوطنية، واجه منذ سنّ صغيرة سياسات الصهر والإنكار والإبادة. وهو في السادسة من عمره فقط، اقتُطع من كردستان من أجل الدراسة وذهب إلى متروبول تركيا. الشاب بختيار، كفتى ذكي، كان يدرس في إسطنبول ويعمل في الوقت نفسه من أجل إعالة عائلته. وفي الغربة شعر أكثر بآلام الاستعباد. ورأى عن قرب ضغوطات نظام الصهر وقمعه. لذلك، ومنذ بداية حياته، دخل في حالة بحث ولم يقبل الظلم القائم. ورغم أنه ابتعد جسدياً عن كردستان، إلا أن قلبه وذهنه ظلا دائماً يبحثان عن وطنٍ حر. نهض لحماية قيم شعبه، وأراد أن يعيش بثقافته وهويته.
فضوله وبحثه عن الحرية جعلاه يلتقي بحركة الحرية. هجمات عصابات داعش على روج آفا الوطن كبّرت الغضب في قلبه ضد العدو. واستشهاد ابن عمه في مقاومة كوباني التاريخية ترك أثراً كبيراً عليه. اتخذ قرار الالتحاق بصفوف الكريلا، وشارك قراره هذا مع أخيه. وفي عام 2015، توجّه إلى جبال الحرية في بوتان، موطن الأبطال، واتخذ لنفسه اسم بختيار گابار.
“يحوّل كل لحظات الحياة إلى لحظات تدريب”
بختيار، مع وصوله إلى ساحات الجبال، صار مسروراً وسعيداً. بدأ مسيرته في الحرية في مكانٍ ينبض فيه قلب الكريلا منذ سنوات. كانت الكريلاتية في شمال الوطن بالنسبة له حظاً وفرصة كبيرة. استقبل الحياة الجديدة بحماس واندفاع. أراد أن يتعلم سريعاً فن الكريلاتية والحياة التنظيمية، ولذلك أبدى جهداً وسعياً كبيرين. بروحه الشابة، كجدولٍ جارٍ، دخل الحياة وخلق حماساً عظيماً. ومن أجل أن يعمّق نفسه في أساليب وتكتيكات الكريلا الحديثة وفي باراديغما القائد آبو، انتقل إلى مناطق الدفاع المشروع في ميديا، والتحق بتدريب تخصصي.
كي يكون جواباً على المرحلة، حوّل كل لحظات الحياة إلى لحظات تدريب. ورغم عمره الشاب، بنى في ذاته قوة الحل من خلال التجربة التي اكتسبها في ساحة الممارسة. صار شخصية نموذجية وطليعية. اقترب من مهام وواجبات الثورة بروح النصر. كسب ثقة التنظيم، وأخذ مكانه في كثير من الأعمال المهمة والاستراتيجية، وأنجز مهامه بنجاح. كمناضلٍ مناضلٍ للعصر، كتب بحياته ونضاله تاريخاً من نار.
كان بختيار يرى نفسه سعيد الحظ لأنه، كشاب كردي، أخذ مكانه داخل صفوف الكريلا. كان كل يوم بالنسبة له بعثاً جديداً. حياة الكريلا كانت بالنسبة له عيداً دائماً. ارتبط بهذه الحياة بقلبه وروحه. ولكي يكون جديراً بهذه الحياة المقدسة، كان مستعداً لكل تضحية. ومنذ ذلك الحين، صار بختيار جزءاً من هذه الحياة المهيبة. أحياناً بجهده وعرقه، وأحياناً بابتسامته على شفتيه، كان يحمّل الحياة معانيها. وبصدقه ورقة قلبه، أخذ مكانه في قلوب كل رفاقه وصار قائداً شاباً. كان يستمد قوته من الرفاقية، ويزيّن الحياة بعشق الرفاقية. كانت حديقة مشاعره تزدهر أكثر فأكثر، وتفتح أزهار الأمل. وحّد روحه الشابة مع الجبال. القلم يبقى عاجزاً، ولا تستطيع إلا الجبال أن تروي قصته وسيرته. هو بذاته صار صفحة ذهبية من تاريخ ثورة الحرية والعشق.
“بابتسامته يجعل الحياة أبسط وأجمل”
صارت الحركة الآبوجية في كردستان كعبة الآمال. وبختيار أيضاً، كمناضلٍ للقضية، كان يدور كالفراشة حول كعبة الآمال باحثاً عن الحقيقة. ورغم سنّه الشاب، وصل ككريلا ذكي ومجرّب إلى قناعة أن الحقيقة تختبئ داخل لحظات هذه الحياة. وحدهم الذين يعرفون قدر هذه الحياة وينظرون إليها بعين القلب يستطيعون رؤية هذه الحقيقة. وبختيار أيضاً كان يرى هذه الحقيقة أحياناً في زهرة ربيعية تبشّر بحياة جديدة. وأحياناً كان يراها في بشاشة وجه رفيقٍ مبتسم يحمل في قلبه عشق شعبٍ بأكمله. وأحياناً كان يراها في عين قائدٍ شجاع ينظر إلى أفقٍ بعيد، ويرى مستقبلاً مضيئاً في وطنٍ حر.
كانت الأيام تمر، لكن لا يوم كان يتكرر بالنسبة له. كان يستقبل كل يوم بحماس واندفاع مختلفين. بابتسامته كان يجعل الحياة أبسط وأجمل. أينما ذهب، كان يترك آثار روحه الشابة في قلوب من حوله.
كان بختيار يضيف كل يوم تجربة جديدة إلى رصيده. كل رفيق جديد يتعرف إليه كان يكسبه تجربة جديدة، ويبني في ذاته روح التجدد. كان يتعلم ويعلّم. كان تلميذاً ومعلماً في آنٍ واحد. كان يعيش فكر وفلسفة القائد آبو، ويجعلها تُعاش. وككريلا منضبط وكفوء، صار مثالاً ملموساً لكل رفاقه الشباب. وبسبب تضحياته وارتباطه، كان محبوباً بين الكريلا. كان صادقاً ومخلصاً في رفاقيته. ورغم كل الصعوبات والمشقات، لم يعش التردد قط، ولم يتراجع خطوة إلى الوراء. كان قد قفل نفسه على الهدف والغاية. كانت مسيرته، بخطوات ثابتة وبثقة بالنفس، تتقدم دائماً نحو الأهداف والغايات. ومن أجل أن يكون جديراً برفاقية القائد آبو والشهداء، بذل جهداً وسعياً كبيرين.
“بحياته يدخل قلب كل إنسان”
عندما جاء القائد نور الدين صوفي إلى الجبال لزيارة رفاقه، رافقه الكريلا بختيار. وبشجاعته وذكائه، رآه القائد نور الدين صوفي كفارس، وكان يناديه باسم الفارس. وفي 6 نيسان 2021، في منطقة گارى، في ساحة الدفاع، ونتيجة هجومٍ لجيش الاحتلال التركي، ارتقى مع القائد نور الدين صوفي إلى مرتبة الشهادة، والتحق بقوافل الخالدين في كردستان.
في كل مكان من هذا الوطن يخفق فيه قلب طفل كردي من أجل الحرية، يكون هو هناك. في تلك اللحظات التي يخلق فيها ثائرٌ الحياة والمقاومة داخل حلقة النار، ويسحق الاستسلام والموت، يكون بختيار هناك. في شوق قلوب الأمهات المحروقات القلب، اللواتي يستقبلن أبطالهن الطاهرين بالزغاريد، يكون بختيار گابار هناك. بجهده ونضاله يصير فرحاً وسعادة، ومن أجل شعبٍ مستعبد وبلا مأوى يصير سنداً وحبيباً. ومن أجل طريقٍ بعيد وصعب، ينهض حاملاً السلاح والعدة والحمل. ويمضي نحو الجبال والصخور والقمم.
