HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

أحب الحياة، وقد قتلت الموت آلاف المرات في آفاق الحرية. أما اليوم فقد غدا الموت حلمًا يراودني، وصرت ألوذ بأنفاسه وأختبئ في دفئها

. لقد غلا ثمن الحياة الحرة، حتى إن الروح، وإن تمزقت إربًا إربًا إلى جانبها، لا تفي بحقها. وإني اليوم أشعر بالحرية عن قرب، وأسبح في خفقانها. وبذلك الشوق الذي ظل ساكنًا في قلب شهيدي، أهيئ نفسي كل يوم لأبلغ الحرية. أجلس على قمم الجبال الشاهقة، وأحدق في نجوم وطني، فأرى في كل نجمة شهيدًا. فما من ألم أو معاناة إلا وذاقها شعبي، وما من رصاصة إلا واستقبلها أطفال وطني بصدورهم. أولم تكن صقور هذا الوطن هي التي حولت أرضه المقدسة إلى مقبرة من الجحيم لأعدائها؟ فأي أرض أقدس من هذه الأرض؟ إني أهدي روحي إلى الأطفال السمر، ولا تنظروا إلى شتاء وطن الثوار اليوم، ففي هذا الوطن سيأتي الربيع أيضًا، وستنشأ فتيات هذا الوطن وفتيانه على أسماء الثوار، ويرتدون ثوب الحرية في كردستان الذهبية.

«قرار من القلب»

وُلد أوزغور سرهِلدان في مدينة وان، في كنف عائلة وطنية متشبثة بثقافتها وهويتها. وحين كان يدرس في الصف الثامن، كانت عائلته تعاني ضائقة اقتصادية قاسية، فاضطر إلى ترك المدرسة والالتحاق بالعمل ليساند أسرته. وفي ذلك العمر المبكر تعلم تحمّل المسؤولية، وعمل في مجالات متعددة، واكتسب في سنوات شبابه خبرات واسعة من الحياة. وخلال تلك المرحلة تعرّف عن قرب إلى الحركة الآبوجية، وبدأ رحلة البحث والتساؤل، ثم ما لبث أن اتخذ قراره بالانضمام إلى صفوفها. وفي عام 2014 التحق بحركة الحرية.

الحب يجري باسمكم

كل ثائر يهب حياته لحركته باسمه، ويبقى دائم السعي ليكون أهلًا لذلك الاسم. إن أسماءهم تشبه جريان الفصول وتعاقبها، وتعود إليها الحياة كلما سُمعت وقد ارتوت بحبر المحبة. إنهم لا يشبهون أحدًا سواهم، وبشوقهم إلى بلوغكم يضحّون كل يوم بجزء من أرواحهم. وكان أوزغور سرهِلدان، المعروف باسم الرفيق دمير، واحدًا من أولئك الأبطال. فقد استطاع داخل الحركة أن يمنح تجاربه الحياتية معنى أعمق، وأن يحول ما اكتسبه من خبرة إلى وعي ومعرفة في مختلف الميادين. كان سبّاقًا في جميع الأعمال، لا يدّخر جهدًا ولا يحسب حسابًا للتعب، وجعل من القيم التي استقاها من القيادة والحركة قاعدة أساسية لمسيرته النضالية.

يلبّون النداء

بعد أن تلقى تدريبه الأساسي في الجبال، انتقل إلى أرض إيزيدخان العريقة. وكان العالم بأسره أصمّ وأبكم أمام المآسي التي حلت بالشعب الكردي، غير أن فتيات هذا الوطن وفتيانه ظلوا يهبون أرواحهم لشعبهم، ويتوجهون من دون تردد إلى ساحات المواجهة. ولم يكن أوزغور قادرًا على احتمال ما أصاب شعب شنكال من آلام، فتوجه إلى ميدان القتال وخاض التجربة بروح عالية من التضحية. واتخذ من كبار المناضلين، أمثال مام زكي شنكالي، قدوة له، ووقف إلى جانبهم في مواجهة عصابات داعش. وبعد فترة طويلة أمضاها هناك وهو يؤدي واجباته ومسؤولياته، أدرك أن وقت العودة قد حان، وأراد أن يطفئ شوقه بأنفاس الجبال. ولذلك عاد عام 2019، وبرغبته الشخصية، إلى الجبال الحرة من جديد.

من سواكم…

من سواكم يستطيع أن يشعل نار الحب في قلب الظلام؟ ومن سواكم يستطيع أن يحب الحياة إلى الحد الذي يجعل الموت في سبيلها أمرًا محبوبًا؟ ومن سواكم يستطيع أن يحمل حب الحرية بامتداد السماوات كلها ويسير به في دروبه؟ ومن سواكم يستطيع أن يكون ربيعًا للورود التي غدت حدائقها شتاءً؟ ومن سواكم يستطيع أن يكون صوتًا للبلابل التي هجرت الغناء منذ مئات السنين؟ أنتم وحدكم القادرون على ذلك، أنتم وحدكم.

يرحلون… لكنهم باقون هنا

إنهم يرحلون، يمضون نحو الحرية، ويرحلون سعداء مرفوعي الرؤوس في قافلة الخالدين، لكنهم مع ذلك باقون هنا؛ في كل لحظة إلى جوارنا، وفي ذاكرتنا التي لا تغيب عنها صورهم. وبعد سنوات من النضال في جبال كردستان، ارتقى أوزغور سرهِلدان إلى مرتبة الشهادة عام 2019 برفقة رفيقين له. وفي ثلاثة مواقع مختلفة كانوا يشقون طريقهم بخطى متسارعة نحو قمم الجبال، ويجعلون من ذلك الحب الطويل الذي بقي ناقصًا حبًا خالدًا بدمائهم وأرواحهم. لقد قرّبوا راية كردستان ثلاث خطوات أخرى نحو الذرى العالية، وتركوا للأجيال المقاومة من بعدهم إرثًا من قصص التضحية والفداء. وبخصلات شعورهم خاطوا الجراح التي لم تجد من يضمدها، وتركوا خلفهم سيرة تظل منارة لكل من يسير في درب الحرية.