إنّ كلمة الحب، في حقيقتها، كلمة مفعمة بالسحر. فمنذ ولادة الإنسان وحتى موته، يكون الحب رفيق حياته، ورفيق دربه، وكاتم أسراره.
ذلك الحب الذي لا يستطيع الإنسان أحياناً أن يبوح به لنفسه، ولا لغيره، ولا حتى لأقرب الناس إليه، فيكبر في داخله شيئاً فشيئاً، ويضرب جذوره في الأعماق، ويتجه نحو شيءٍ ما. إنّ كل الأفكار، والأساطير، والسرديات التاريخية، والأديان، قد تأسست على هذه الكلمة. أن تحب شيئاً، وأن ترتبط به، وأن تمضي عمراً كاملاً في أثره؛ هذا شعور مقدس جداً. الحب هو الوعي، وهو أن تمنح القيمة وأن تُرى بقيمة. أما الحب الذي يغذّيه الإنسان تجاه الأرض التي ضرب فيها جذوره، وتجاه جوهره، وتجاه نضاله من أجل أن يكون ذاته، فذلك حب آخر. هذا الحب هو عودة إلى الجوهر، وهو بحث عن الذات، ورحلة في طريق مليء بالمحن والاختبارات.
ومن أكثر الشعوب التي عرفت هذا المعنى جيداً الشعب الكردي. فقد سُلب وطنه منه عبر قرون طويلة، ونُهب جهده، ووُضعت أمامه كل أنواع العوائق كي يُمنع من أن يكون ذاته، وكي يُراد له أن يتحول إلى آخر. قُسّمت كردستان أولاً إلى قسمين، ثم إلى أربعة أجزاء، وكان الهدف أن يبتعد الشعب الكردي عن وطنه الأبدي وأن يُقتلع منه. أما مدينة جولميرك، فقد عاشت هذا الواقع كثيراً. إن أبناء هذه المدينة، الذين واجهوا صعوبات كثيرة من أجل التمسك بهويتهم الجوهرية، أحبوا دائماً النضال من أجل وجودهم ووطنهم، وتبنّوه من أعماق قلوبهم. ومن هؤلاء الشهيد دجوار انتقام، واسمه الحقيقي عيسى أصلان.
فتح عيسى عينيه على الحياة في عائلة وطنية تتبنى هذه الحقيقة. ومنذ طفولته، كبر طفلاً تغذّى بحب الوطن والشعب الذي غرسته عائلته فيه. وبالتربية التي تلقاها في أسرته، جرى العمل على تنشئته بأخلاق جميلة. وبما أنّ المدينة التي وُلد فيها كانت مدينةً أخرجت من قلب الشعب الكردي كثيراً من الفرسان والمقاتلين، فقد وصلت حكايات هؤلاء الفرسان من لسان إلى لسان حتى يومنا هذا. وهو أيضاً كبر على هذه الحكايات. كان يرى هؤلاء الفرسان في خياله أبطالاً أسطوريين، وكان في داخله يقتدي بهم ويتمنى أن يكون مثلهم.
اللغة ترجمانٌ لكثير من مشاعر الإنسان. فاللغة أداة لفهم الشوق، والعاطفة، والغضب، والفرح، والفخر، وفي النهاية لفهم الحياة نفسها. وهي في الوقت ذاته ذاكرة. وبما أنّ لسان عيسى كان متلعثماً، فقد كان يعيش كل ذلك في قلبه، ويتعلم كيف يعبّر عمّا يريد قوله، وعن العواصف التي كانت تهبّ في داخله، بحركات يديه وذراعيه. كان يحب القراءة وتعلّم أشياء جديدة كثيراً، ولذلك كان دائماً ناجحاً في مدارس النظام. لكنه في هذه المدارس شهد كيف يجري إنكار حقيقة شعبه. ومن ثم، فإن العواصف التي كانت تعصف في داخله ازدادت شدة. كما أنّ أخذه قسراً إلى الخدمة العسكرية شكّل عتبةً مهمة في شخصيته.
عندما أُخذ إلى الجيش عام 2014 ضمن الخدمة العسكرية الإجبارية، عاش صعوبات كبيرة. وفي الجيش، لم يشهد فقط مقدار القذارة التي يحملها النظام في داخله، بل توصّل مع الوقت أيضاً إلى قناعة بأنه لا بد من إيجاد طريق للخلاص من ذلك. وفي العام نفسه، كان بدء هجوم الإبادة على شعبنا الإيزيدي في شنكال سبباً جعله يقول: لقد طفح الكيل. ففرّ من القاعدة العسكرية التابعة للدولة التركية في مرعش، والتحق بصفوف الكريلا في زاغروس.
وفي صفوف الكريلا، اختار لنفسه اسم دجوار، بمعنى الصعب والقاسي والعصيّ على العبور مثل زاغروس، واختار لقب انتقام كي يأخذ بثأر الآلام التي أُذيقها الشعب الكردي طوال مئات السنين.
كان دجوار، منذ صغره، قد تعلّم أن يعيش كل شيء في قلبه، لذلك كان صاحب شخصية قوية الإدراك. ولهذا لم يستغرق وقتاً طويلاً حتى استوعب حياة الكريلا، ورفع مفهوم الانتماء إلى مستوى الوعي بإدراك قوي. وبسبب تلعثمه، لم يكن يتحدث كثيراً، لكنه كان يضع في الكلمات القليلة معاني كبيرة، ويعبّر بها عما في قلبه. كان يقول إنه هرب من النظام القذر للدولة التركية، وجاء إلى بيئة حزب العمال الكردستاني النقية كـماء الحياة، فولد من جديد. وقد التحق بحياة الكريلا بفرحٍ كبير بالحياة، وبمعنويات عالية وحماسة كبيرة، وحاول أن يتعلم كل شيء.
بشخصيته الصافية والنقية، أصبح لا غنى عنه بين رفاقه. ولم يحتج رفاقه وقتاً طويلاً كي يفهموا معنى كل حركة وكل تصرف منه. لأنه عرف كيف يحوّل التلعثم من كونه نقصاً إلى شيءٍ لا يحدّ منه، وكان في علاقاته صاحب بنية اجتماعية ومحبّة للغاية. كل ما سرقه النظام منه، واجهه بإحساس الانتقام، وغرس في شخصيته الخصال النبيلة للمناضل الآبوجي. تطور في الفن العسكري وأتقنه، وفي الوقت نفسه بلغ مستوى مهماً في أن يكون مناضلاً حزبياً مقتدراً.
كان دجوار، بجهده وتعبه، وبمشاركته الصادقة في الحياة، ورفاقيته المخلصة، يكسب محبة رفاقه في كل مكان يوجد فيه. كان يترك أثراً حتماً في كل من يلامسه أو يلقي عليه السلام. من عرفه مرةً لا يستطيع أن ينساه مرة أخرى. فبعض الأشياء تُكتب في عقل الإنسان، وبعضها تُكتب في قلبه. وما يُكتب في القلب يصبح شريكاً للحياة، وقاسماً للمصير، لأن نسيانه لا يكون ممكناً. وهكذا كان دجوار واحداً من هؤلاء.
لم تكن الجبال غريبة عنه. كان يعرف الجبال جيداً، وكانت الجبال تعرفه أيضاً. ولهذا، في جغرافيا زاغروس القاسية والصعبة، كان يتطور لحظةً بلحظة مثل الوعل الجبلي، وبقلبٍ ممتلئ بالغضب تجاه العدو، وبحب لا نهاية له تجاه وطنه ونضاله ورفاقه، كان يركض من قمة إلى قمة، ويحاول أن ينجز كل مهمة تُوكل إليه على أكمل وجه.
وأي معنى للسنوات أمام عمرٍ عاش في أثر الحرية والحقيقة؟ أليس يوم واحد من عمر كهذا يساوي سنوات؟ لقد كان دجوار مدركاً لهذه الحقيقة، ولذلك كان يعيش كل يوم كأنه عمر كامل، ويمضي قدماً في الطريق الذي سار عليه. لكن، وللأسف، نتيجة هجوم جوي مشؤوم وقع في شهر أيار/مايو من عام 2017، ارتقى إلى الشهادة، تاركاً خلفه ذكريات لا تُنسى وجمالاً لا يُمحى.
