HPG

قوات الدفاع الشعبي الكردستاني

(من دفاعات القائد آبو حول الدفاع الذاتي)

بالمعنى العام والجماعي، لا تستطيع المجتمعات أن تحافظ على وجودها الذاتي من دون الأخلاق والسياسة الاجتماعيتين اللتين تكتسبان نسيجاً بوصفهما عوامل وجود لتسيير الأعمال المشتركة للمجتمع.

فالحالة الطبيعية للمجتمع، أي وجوده، لا يمكن أن تكون بلا أخلاق ولا سياسة. وإذا كان النسيج الأخلاقي والسياسي الذاتي لمجتمع ما غير متطور، أو مشلولاً ومحرّفاً ومعطلاً، فمن الممكن القول إن ذلك المجتمع يعيش احتلال واستعمار احتكارات متنوعة بوصفها رأس مال وسلطة ودولة. لكن استمرار الوجود بهذا الشكل هو خيانة ذاتية واغتراب تجاه وجوده؛ هو وجود تحت هيمنة الاحتكارات كقطيع وشيء ومال ومِلك. في هذه الحالة يكون المجتمع قد فقد طبيعته الذاتية، وفقد قدراته كمجتمع طبيعي أو أُصيبت بالضمور. لقد خضع للاستعمار، بل الأسوأ أنه ترك نفسه بكل شيء موضوعاً للملك وللتعفن والعدم. وقد لوحظ في التاريخ والحاضر عدد كبير من المجتمعات التي تنطبق عليها هذه الصفة. والذين أُفسدوا وأُبيدوا أكثر بأضعاف من الذين ما زالوا واقفين.

عندما يقع المجتمع في حالة لا يستطيع فيها إنشاء مؤسساته الأخلاقية والسياسية اللازمة لاستمراره وتشغيلها وجعلها وظيفية، فهذا يعني أنه أُدخل في كماشة القمع والاستغلال. هذه الحالة هي ‘حالة حرب’. ويمكن تعريف التاريخ أيضاً بوصفه ‘حالة حرب’ الحضارات ضد المجتمع. وعندما لا تعمل الأخلاق والسياسة، لا يبقى أمام المجتمع سوى عمل واحد: الدفاع الذاتي. حالة الحرب هي حالة غياب السلام. لذلك لا يكتسب السلام معنى إلا على أساس الدفاع الذاتي. والسلام الذي لا دفاع ذاتياً له قد يكون تعبيراً عن الاستسلام والعبودية. إن السلام بلا دفاع ذاتي الذي تفرضه الليبرالية اليوم على الشعوب والمجتمعات، ولا سيما لعبة الاستقرار الديمقراطي والتوافق المزعوم، لا يعني سوى إخفاء هيمنة الطبقة البرجوازية التي تُدار بقوة مدججة بالسلاح من طرف واحد، أي سوى استمرار حالة الحرب بشكل مستتر. إن تعريف السلام بهذا الشكل يظهر أمامنا كأكبر مسعى لهيمنة رأس المال الأيديولوجية. أما في التاريخ فيعبّر عن نفسه بشكل مختلف باسم ‘المفاهيم المقدسة’. والأديان محمّلة بمفاهيم من هذا الاتجاه، وخاصة الأديان المتحضرة.

إن تحقيق السلام لا يمكن أن يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا حُفظ دفاع المجتمعات الذاتي، وبالتالي حُفظت وضُمِنت صفة المجتمع الأخلاقي والسياسي. وبخاصة فإن تعريف السلام الذي تطلب جهداً كبيراً من ميشيل فوكو أيضاً لا يمكن أن يكتسب تعبيراً اجتماعياً مقبولاً إلا بهذا الشكل. أما تحميلاته المعنوية الأخرى فلا تنتج باسم كل الجماعات والشعوب سوى فخ، وسوى استمرار حالة الحرب بأشكال مستترة. فكلمة السلام في شروط الحداثة الرأسمالية كلمة محمّلة بالفخاخ. واستخدامها من دون تعريف صحيح خطير جداً. وإذا عرفناها مرة أخرى، فالسلام ليس إزالة حالة الحرب كلياً، وليس حالة الاستقرار وغياب الحرب تحت تفوق طرف واحد. في السلام توجد أطراف. ولا يكون هناك، ولا ينبغي أن يكون، تفوق حاسم لطرف واحد. وثالثاً، تُسكَت الأسلحة على أساس الرضا تجاه سير المجتمع المؤسسي الأخلاقي والسياسي. هذه الشروط الثلاثة هي أساس السلام المبدئي. ولا يعبّر سلام حقيقي عن معنى ما لم يستند إلى هذه الشروط المبدئية.

إذا فتحنا هذه الشروط الثلاثة قليلاً، فأولاً لا يُتوقع نزع سلاح الأطراف بالكامل. مهما تكن ادعاءاتهم، فهم يتعهدون فقط ألا يهاجموا بعضهم بعضاً بالسلاح. ولا يُسعى إلى تفوق مسلح. إنهم يقبلون احترام حقوق وإمكانات إبقاء أنفسهم في الأمان. ثانياً، لا يوجد تفوق نهائي لطرف واحد. ربما يمكن أن يكون هناك استقرار وهدوء يتحقق تحت تفوق السلاح، لكن هذه الحالة لا يمكن أن تسمى سلاماً. يمكن للسلام أن يُطرح حين يقبل الأطراف، أياً يكن الطرف محقاً أو غير محق، وقف الحرب بشكل متبادل من دون تحقيق تفوق. ثالثاً، يقبل الأطراف في حل المشكلات احترام السير المؤسسي الأخلاقي، أي الوجداني، والسياسي للمجتمعات، أياً تكن مواقع الطرفين، مجتمعاً أو سلطة. والشرط المسمى ‘الحل السياسي’ يُعرّف ضمن هذا الإطار. ولا يمكن تفسير وقف إطلاق نار لا يحتوي حلاً سياسياً وأخلاقياً بوصفه سلاماً.

في ظل شروط السلام المبدئي هذه، تدخل السياسة الديمقراطية إلى جدول الأعمال مكتسبة أهمية لا غنى عنها. فعندما تعمل المؤسسات الأخلاقية والسياسية للمجتمع، تكون العملية التي تظهر طبيعياً هي عملية السياسة الديمقراطية. والدوائر التي تأمل السلام يجب أن تعرف أن ذلك لا يمكن أن ينجح إلا إذا لعبت السياسة دورها على أساس أخلاقي. في السلام يجب أن يكون طرف واحد على الأقل في موقع السياسة الديمقراطية. وإلا فإن ما يجري لا يتجاوز كونه ‘لعبة سلام’ باسم الاحتكارات. تلعب السياسة الديمقراطية في هذه الحالة دوراً حيوياً. ولا يمكن عيش عملية سلام ذات معنى مع قوى السلطة أو الدولة المقابلة إلا ضمن حوار تقوده قوى السياسة الديمقراطية. أما الباقي فهو استمرار حالات المحاربة، أي الاحتكارات، بتوقف مؤقت متبادل. هناك تعب من الحرب وصعوبات لوجستية واقتصادية. وعند زوالها تُستأنف الحرب إلى أن يتحقق تفوق طرف واحد كاملاً. لا تسمى هذه الأشكال عملية سلام، بل يمكن تسميتها وقف إطلاق نار لأجل حروب أشد. ولكي يكون وقف إطلاق النار سلمياً، فإن أن يفتح الطريق إلى السلام وأن يرتبط بالشروط الثلاثة التي عددناها يحمل أهمية مبدئية.

كما يُرى أحياناً في الحرب، قد توجد حالات يحقق فيها طرف الدفاع الذاتي، أي الطرف الموجود في موقع الحق، تفوقاً نهائياً أيضاً. وحتى في هذه الحالة لا تتغير الشروط الثلاثة للسلام. وكما لوحظ في الاشتراكية القائمة فعلياً وفي كثير من حروب التحرر الوطني المحقة، فإن الركض فوراً إلى سلطته ودولته الخاصة، وتأمين الاستقرار تحت هذه السلطة والدولة، لا يمكن أن يكون سلاماً. هذه المرة تكون المسألة إحلال قوة محلية احتكارية، أي القسم المسمى رأسمالية الدولة أو البرجوازية الوطنية، محل القوة الأجنبية. وحتى لو سميت سلطة اشتراكية، فإن الحقيقة السوسيولوجية لا تتغير. السلام من حيث المبدأ ليس ظاهرة تتحقق بتفوقات السلطة والدولة. فالسلطة والدولة، أياً يكن اسمها، برجوازية أو اشتراكية أو وطنية أو غير وطنية، لا يدخل السلام إلى جدول الأعمال ما لم تشارك تفوقها مع القوى الديمقراطية. السلام في التحليل الأخير هو توافق مشروط بين الديمقراطية والدولة. وقصص هذا التوافق شغلت على امتداد التاريخ مكاناً وزماناً كبيرين. وقد جُرّبت في أزمنة وأمكنة كثيرة. منها ما هو مبدئي وطويل الأمد، ومنها ما فُسخ قبل أن يجف حبره. المجتمعات لا تعيش فقط من تأسيس قوى السلطة والدولة. ومهما ضُيقت مجالاتها، فهي تعرف، ما لم تُبَد كلياً، كيف تواصل العيش تحت هويتها الأخلاقية والسياسية الذاتية. وربما هذه هي الحقيقة التي لم تُكتب في التاريخ، لكنها الحالة الأساسية للحياة.

إن عدم رؤية المجتمع على أنه مجرد قصص دولة وسلطة، بل افتراضه، على العكس، طبيعة محدِّدة، يمكن أن يسهم في تكوين علم اجتماعي أكثر واقعية. فالسلطات والدول واحتكارات رأس المال، مهما تكن كبيرة وغنية، كفرعون وقارون، أو مهما توحشت مثل الموجودين اليوم إلى درجة ابتلاع المجتمع، كليفياثان جديد، لا تستطيع أبداً إزالة المجتمع. لأن المجتمع هو الذي يحددها في التحليل الأخير. والمحدَّدون لا يمكنهم أبداً أن يحلوا محل المحدِّدين. وحتى أكثر قوى السلطة بهاءً ودعايةً إعلامية، كما في يومنا، لا تكفي لإخفاء هذه الحقيقة. إنهم أتعس القوى وأكثرها مدعاة للرثاء وقد ارتدت هيئة العمالقة. أما المجتمع الإنساني، فمنذ تكوّنه، فلن يُحرم من أن يجد معناه بوصفه أروع إبداع للطبيعة.